لوين رايحين فينا

لوين رايحين فينا
1٬118 مشاهدة

لستُ أعتقد بل كدتُ أجزم حاليًا؛ بأنّه لم تمر مرحلة في التاريخ الإنساني، والعربي على وجه الخصوص، تنافس مستوى (الإرهاق النفسي) للمواطنين مثل الحقبة الحالية؛ حقبة “الضغوط النفسية”، ومستوى (الخيبات) كذلك، لما يحدث الآن في الساحة العربية والمحلّية..
الأحداث الوطنية في هذه الفترة، لم تَعُدْ تُقاس بمقياس السنوات أو الأيام، ولا حتّى الساعات، بل ربما بمقياس الدقائق أو الثواني، إلى أن وصل الحدّ الذي لم يعُد باستطاعة “العقل” استيعاب ما يحصل، ويعود السبب في ذلك إلى شدّة تسارع الأحداث المأساوية وتتابعها، وما تسبّبه من “حالة الذهول” في (الفضاء النفسي) لمواطني الوطن المأزوم..

تتوالى الأحداث كالغيث، وتيرة الحياة المرهقة الرديئة تسابقنا ولا نسبقها، تلك الحالة المحبطة جدًا للمواطنين أثّرت على نوعية العلاقات الإنسانية بينهم نحو الأسوأ للأسف الشديد، لدرجة غدت الحوارات مختصرة جدًا في أفضل الحالات، وعدائية في أسوأها، كيف لا وهي معتمدة على وسائل التواصل الاجتماعي بالدرجة الأولى، بغض النظر عن مصداقيتها أو أجندات مَن ينفث سموم العقل عبرها..

وإن دقّقنا النظر جميعًا في هذه الحقبة المرعبة، وليأخذ أيًّا منّا مقياس لِ (الحياة)، ولنقرأها ذهنيًا لنراها بأمّ أعيننا، ربما وقتئذٍ نستطيع أن نرى إلى أين نحن ذاهبون الآن، مع مدّ التغيير الجارف المخيف الذي يجذبنا نحو اتّجاهات (قسرية) لا طوعية، وقد لا تكون من اختيارنا، أو ربّما لن ترضينا جميعًا..

وحدتنا الوطنية أوشكت أن تفقد بريقها بمجرّد التبجّح بِ (اللغو الفيسبوكي) على أيّ شيء مهما عظُمَ أمره أو صَغُر، احتقاننا من “عدوّنا الرئيس” عدوّ العرب، كُلّ العرب، أسقطناه على بعضنا لأنّه – أي العدو – أفرغنا من قدرتنا على المواجهة والتصدّي للأسف الشديد، وبتنا لا نرى ولا نسمع ولا نتكلّم سوى ما يفرّقنا لا ما يجمّعنا، أضف إلى ذلك – وبالعربي الفصيح – أنّ طاقة التحمّل عند المواطن استُنفذت وحيله انهدّ وجيبته انخزقت، وأنتم أخبر بعواقب هذا الوضع المريب، والباقي واضح أمامكم..

إنّ ردّة الفعل (غير الحكيمة) الآن هي أكثر جُرُمًا من السلوك المشين ذاته، بغضّ النظر عن الجهة الصادر عنها، سواء بشكل مقصود أم غير مقصود. فلا الوطن ولا المواطنين حاليًا قادرين على تحمّل نتائج عواقبها وخيمة، ستمسّ الجميع دون استثناء؛ بسبب هوجائية وغوغائية وسطحية البعض، من المسؤولين والمواطنين على حدّ سواء، وميوعة الفهم لدى أهل “الفزعة“، التي لن تحقّق شيء (إلاّ) مراكمة الأعداد التي تستسلم لمفردات (التضليل) البالية والخاوية، وبالطبع الخاسر الوحيد هو الوطن..

قوّة الجبهة “الداخلية” سلاح لا يماثله سلاح في مواجهة التحدّيات والمخاطر “الخارجية”؛ فكُلّما كانت الوحدة الوطنية صلبة، كُلّما سقطت مشاريع الاختراق جميعها.
والرصيد التاريخي للوطن، وإرثه الضخم، وقيّمه، وطبيعة العلاقة الفاخرة بين كافّة أطيافه، هي عوامل هامّة جدًا، يجب أن تبقى في (الذاكرة) الوطنية؛ لأنّها وحدها القادرة على الإمساك بزمام الأمور ضدّ العابثين والطامعين والمارقين والمخرّبين ..

التعدّي على الوطن ورموزه ومؤسّساته ومواطنيه، خط أحمر، لا يمكن قبوله بأيّ حال من الأحوال، وفي الوقت نفسه تقتضي (الحكمة) المزيد من “التعقّل” في ردود الفعل، نتمنّى جميعًا أن توقفوا مواجهة “البشر”، حتّى تتمكّنوا من مواجهة “الخطر”، وتعرفوا لوين رايحين فينا ولوين ماخدين الوطن..

ونحن وإن اعترفنا جميعًا أنّ (الضغط النفسي) هي سمة العصر الحالي، وأنّ تبعاته علينا شديدة الوطأة والتأثير، سنعرف حينها أنّ لكُلّ منّا “عتبة” للتحمّل، وقدرة محدودة على تحمّل مقدار معين من الضغط لا أكثر، تلك القدرة تتحدّد بيولوجيًا وتربويًا، ويُضاف إليها الآن الخبرات المأساوية المتراكمة للوطن المكلوم. هذا الضغط الذي يهاجم نقاط الضعف الإنساني يترك أثره على “هرمونات السعادة“، التي من المفروض أنّها موجودة أصلًا في عقولنا، ولكنّها تلاشت لينتج عنها معضلات وأمراض العصر النفسية الشهيرة؛ كالاكتئاب، والقلق، وصعوبات التأقلم الحياتي، والوسواس القهري، والرهاب، وغيره من القائمة النفسية التي تطول..

وفي جميع الأحوال إنّ تجاوز (عتبة التحمّل) للمواطن فهو بمثابة اللّعب بالنار؛ لأنّ تحمّل الشدّة والعوز وضيق الحال لأيّ منّا لا بدّ أن يترك معه آثار وخيمة على أجسامنا وعقولنا، وهنا سيمتلىء المجتمع مرضى نفسيين لا يُعتب على تصرّفاتهم؛ لأنّ مرضهم وملفّهم الطبّي سيعفيهم من الحساب والعقاب.
مجرّد أن أتخيّل مجتمع قادم لا محال بهذه المواصفات أُصاب بالرعب الشديد وأخاف عليك يا وطني..

وللعلم فقط، أنّ جميع قائمة الأمراض النفسية، هي نتاج عضوي لتكاليف الحياة المرهقة للنفس والمطبقة عالقلب، والتي تسبّب عِلَلْنا وأمراضنا، ليس فقط بسبب الظروف العربية والمحلّية الضاغطة، وإنّما هناك مساحة يجب أن لا ننكر وجودها، ألا وهي اختلاف استعداداتنا “الشخصية”، وقدرتنا على التحمّل..

نعم صحيح أنّنا جميعًا وصلنا لمرحلة (اللافعل)، وأصبحنا جميعًا ننتمي لِ (حزب الكنبة)، ولكن ليس بأيدينا أن نوقف طوفان الأحداث المتسارعة، وربّما لا نستطيع السيطرة على الضغوط المترتّبة على ذلك أيضًا، ولكنّ ما نستطيعه حقًا، أن (نعالج) مشاكلنا النفسية الناجمة التي تؤثّر على نوعية حياتنا وعيشنا، وعلى حميمية علاقاتنا، وضررها أشدّ وطأة على الإنسان وأكثر خطرًا على الوطن..

عافانا الله وعافى الوطن وعافاكم جميعًا، ولا يسعنا هنا سوى القول باستهجان واستنكار “تعب المشوار”؛ على وين الدرب مودّينا ولوين رايحين فينا، وعلى أيّ شط مرسّينا، يا بحر اتركنا عالمينا وخلينا صغار….

حتمًا في هذا الوضع العربي والمحلّي المُزري، ولحتّى نعرف لوين رايحين فينا، سيبقى لهذا الحديث من حصّة أخرى وبقيّة… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !