فن لا يتقنه الجميع

فن لا يتقنه الجميع
1٬900 مشاهدة

ترتيب الأولويات وإدارة الأزمات (فن) لا يتقنه الجميع للأسف الشديد، والمحظوظ مَن أُتيحت له الفرصة لتعلّمه مبكرًا، ولكن الطامة الكبرى عندما يخفق في هذا الفنّ أصحاب القرار في المواقع الحسّاسة جدًا، وفي الأوقات العصيبة التي يشهدها الوطن حاليًا.. ويا مغيث..

الحيرة والحسرة والإحباط والتخبّط جلّ ما يتلبّسه المواطنون في هذه الأيام الحرجة بأحداثها المثيرة جدًا، فخلقت لديهم حالة من “الاختلال النفسي” أفقدتهم القدرة على التفكير السليم، كيف لا وضبابية المشهد تلفّهم من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم!!!

يمكننا وصف العلاقة بين الحكومة والشعب اليوم بثنائية مَرَضيّة مُرهقة نوسمها بِ (السادية والماسوشية)، فالأولى تعكس سلوك الحكومة “القهري” مع المواطنين، والثانية تعكس سلوك الشعب “الخانع” المذعن منذ عقود متلاحقة بسبب ساديّة الحكومات المتعاقبة ومؤسساتها.
“السادية” في أساسها حالة نفسية عامة، وضعية علائقية مع الآخر تتخذ طابعًا مأساويًا؛ لأنّها تنطلق بما يمكن تسميته بِ (نزوة السطوة) إن جاز التعبير، إنّها السيطرة على الآخرين وإذلالهم، والحطّ من شأنهم، وتجميدهم، وشلّهم، وإخافتهم، وصدّهم، ووضعهم تحت رحمة السلطة، وتحقيرهم، وتحطيم مبادراتهم من أجل إعلاء شأن الذات، بواسطة وسائل قمعية متجدّدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، العنف والتهديد والترهيب تارة، والشيطنة وأكباش الفداء تارات، وهناك على شاكلتها الكثير.

ما يرغب السادي في الوصول له هو (نشوة القوة والجبروت) من خلال مسح وجود الآخر، بذلك فحسب يطمئنّ إلى قوته – غير الواثق منها – ويخفّف من حدّة قلق وجوده واستمراره. والمؤسسات السادية تقوم بإسقاط حالة الضعف والركاكة لديها على المواطنين (الضحايا)، كميكانيزم دفاعي لحالة ضعفها من الداخل وتجسيده في الخارج، فالعلاقات ضمن مؤسسات المجتمع السادية تحكمها أساسًا منطق السلطة القمعية ولغة الإدانة..

كل ذلك وأكثر قاد إلى نتيجة حتمية وهي:- إمّا خنوع المواطنين بشكل مطلق بما يمثّل (الماسوشية)، أيّ القبول المذعن بكل شيء وتنفيذ القرارات القسرية للمؤسسات الرسمية وإن كانت مُجحفة، وإمّا توجيه قهرهم وإحباطهم الداخلي نحو الخارج، مما يسبّب انتشار الظواهر الاجتماعية المرضية التي تمزّق النسيج المجتمعي وتفتّت الوحدة الوطنية، والأخطر أنّها تُفجّر الخلايا النائمة وتعطيها فرصة للعمل خارج الظلام..

استفحال الغضب الفردي والمجتمعي يُلزمنا جميعًا بذل الجهود وشحذ الهمم والمشاركة بالحلول، ولكن قبل الولوج في الحلول “المؤقتة” وفقًا لنظام (الطبطبة) والترقيع المعتاد، علينا أولًا حصر الأسباب الفعلية التي أوصلت المواطن إلى هنا وتشخيصها، ثم استحداث تفسيرات بنيوية شمولية، لبناء خطط حكومية بوسائل وآليات علاجية، تأخذ بعين الاعتبار العلاقة الحساسة جدًا حاليًا بين المؤسسات الحكومية والمواطنين، وتعيد الثقة بين جميع الأطراف، من أجل الوصول إلى حلول وقائية مستقبلية لا فقط علاجية آنية، ومن الضروري أن تتّصف بالديمومة والمرونة في ذات الوقت.

ولن يتحقق ذلك إلاّ عندما نستشعر احترام مرادنا، فنحن جميعًا لا نريد سوى حقوقنا ومواطنتنا، نريد الحصول على الحقوق الأساسية التي كفلها لنا الدستور وكافة القوانين والتشريعات المحلية والدولية، نريد العدالة في تطبيق القانون وفي توزيع الموارد والمناصب والوظائف والرواتب، نريد أن يتحمّل الجميع مسؤولية سدّ العجز في الموازنة وإنقاذ الوطن لا من جيوب المواطن الفقير فقط، نريد أن ترحمونا من التفنّن في فرض الضرائب التي نخشى أن تصل حدّ الضريبة على الهواء، نريد تخفيف الأسعار التي أرهقت دخولنا، نريد تشجيع الاستثمار للجميع بعدالة لا تهجيجه، نريد فتح فرص العمل أمام الشباب والشابات بناة الغد، نريد أن نشعر بالقيمة والتقدير في مؤسساتنا الوطنية لا الهجرة للحصول عليها في بلدان أكثر احترامًا للإنسان وحقوقه وكفاءته، نريد أن نشعر بالانتماء للوطن لا الغربة فيه والاغتراب عن خيراته، نريد أن نرى مجددًا نماذج القوة والأبطال والانتصارات لا الفساد والفاسدين فقط، نريد أن نرى البنى التحتية لمؤسساتنا الوطنية قوية لا هشّة تنهار أمام شتوة قوية أو عاصفة ثلجية، نريد أن نرى إعلامنا قويًا نظيفًا لا أصفرًا مأجورًا ونسمع أخبار وطننا من خلاله، نريد (دولة مدنية) لا تغيب فيها عدالة تطبيق القانون لا (إرهابًا مدنيًا) وسيادة العنف والبلطجة، نريد أن تكون المؤهلات العالية والكفاءة (البصمة) للشهرة لا الواسطة أو الرشوة، نريد وقف الاتجار بالدين والأخلاق وتشويهه، نريد نظامًا تعليميًا قويًا نباهي به الأمم كما كنّا.
نريد ونريد ونريد ونريد، وأنت تريد والله يفعل ما يريد..

لم نعد نطالب الآن برفع الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية – فقد هرمنا – ربما هو حلم أكبر من مقاسنا، بل نريد العدالة في توزيع الظلم الاجتماعي على الأقل، لنركب جميعًا ذات المركب، ونشعر ذات المشاعر، وتتشابه أوضاعنا، ونردم الفجوة الطبقية المجحفة بيننا..

إذًا، ماذا الآن؟؟ أما آن الأوان لتتعامل الدولة ومؤسساتها بحكمة وتعقّل وتتقن فن إدارة الأزمات بوعي دون استخفاف بالشعب؟! فجميع الأزمات المتراكمة لا تبتعد عن ارتباطها بعوامل تفشّي الفساد، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، وتردّي الوضع الاقتصادي، والغلاء الفاحش، وعجز الموازنة المتصاعد، وتدهور نظام التعليم، والكثير الكثير من جنسها، فالقائمة تطول وتطول. وقد آن الأوان الآن لإعادة (ترتيب الأولويات) بما يصبّ في صالح الشعب، الذي بات اليوم واعيًا جدًا لما يحدث حوله، ولم تعد تنطلي عليه الحجج الواهية التي كان يتغاضى عنها سابقًا، فقد طفح كيله..

ندرك تمامًا أنه لا توجد وصفة حلول سحرية وسريعة، ولكن على الأقل يجب أن تكون سرعتها بمستوى تسارع الخطر والغضب الشعبي الذي فجّره العوز والإحباط (حُرًّا)، فلا مفرّ اليوم من التعامل “الجريء” للخروج من المأزق، والأهم تثبيت بوصلة أخلاقية ووطنية مُلزِمة للجميع دون استثناء، وقوية بما يكفي لتحويل التناقضات الحالية من حالة “الهدم” إلى حالة “البناء”، وتدفع بالوطن ومواطنيه نحو الاستقرار والتسامي؛ لأنّ الإذعان والظلم والعوز والفساد (المزمن) له عتبة تحمّل، بعدها لا يستطيع المواطن تحمّل حدّة الإيذاء (للكرامة والكبرياء) ومرارة لقمة العيش والماء، فإن كانت الذات الرسمية هي (ذات عامة) فإن الذات الشعبية هي مجاميع (ذوات شخصية) لا تصل إلى مستوى العام إلاّ عند (الإجماع العارم) للعقل والضمير الجمعي على مطالب حقوقية شعبية، وهنا مكمن الخطورة..

إنّ عدوى السلوك الجمعي الحالي وما رافقه من عدوى المشاعر الجمعية كذلك، ما هو إلاّ نتيجة حتمية لمطرقة الغلاء وسندان الفساد، سلوك ينبع من أفكار ملفتة للنظر وتثير الفضول بالبحث والتحليل؛ لأنّ الفكرة الإنسانية غير قابلة للتقولب (قسرًا) دائمًا، وغير قابلة أيضًا للخنق أو الحشر، إنّها كالهواء الذي يتقبّل الاستنشاق من أية (رئة) على سطح الأرض، باستثناء تلك المهترئة أو الضعيفة أو المنتحرة أو الميتة..

اكتفي في هذا المقال بوصف واقع الأحداث، واترك للقرّاء الأعزّاء استقراء الحقائق وما سيؤول له الحال مما يحدث في المواقع، وفي الواقع الفعلي الذي نعيشه ضمن ثنائية (السلطة والإذعان؛ السادية والماسوشية؛ الحكومة والشعب)، ثم استنباط الحلول الذاتية والموضوعية إن كان ذلك ممكنًا، فالكلّ يغنّي على ليلاه..

ولكن؛؛ الحذر الحذر من “الصمت“؛ لأنّ الصمت بحدّ ذاته على تلك الثنائية (جريمة) كاملة الجوانب نحو المجتمع والوطن، وهو حياد متأصّل ومُمأسس ربما يقود إلى “التطرّف” في أحسن الأحوال، وما آل إليه حالنا ليس في أسوئها..

وأخيرًا، نقول لكم يا أولي الأمر: أن (عدوى) السلوك الغاضب الرافض لكل شيء، يتناسب طرديًا مع شدة الشعور بالإحباط والقهر والاضطهاد والظلم، وانتقائية تطبيق القانون، والباقي عندكم..

ونختم هنا بالتأكيد على “معادلة الحياة” في الوطن، والمطلوب من الجميع ضرورة فهمها وتمثّلها وتطبيقها، الآن الآن وليس غدًا، ودون استثناء، ومفادها: (الوطن هو المواطنون، وعندما يكون الشعب بخير، يكون الوطن بخير أيضًا). نقطة وسطر جديد..

ولحين إتقان فنون ترتيب الأولويات وإدارة الأزمات، لا بدّ أن يبقى لنا من هذا الحديث قصة أخرى وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “فن لا يتقنه الجميع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !