خلّي عندك أمل

خلّي عندك أمل
957 مشاهدة

أتدرون مَن يصنع الأمل عندما يكون مستحيلًا؟! هو (البطل) فقط، ولا أعني بالبطل هنا الشجاع أو الجريء أو المثابر وغيرها من السمات النمطية التي نردّدها عن ظهر قلب، لا، ليس هذا البطل ما أعني أبدًا؛ وإنّما هو مَن يصنع (الأمل) في ظروف يكاد يكون مستحيلًا، هو مَن يصرّ على التغيير وتحقيق الأهداف، حتى لو كانت الظروف المحيطة به جميعًا تمنعه من ذلك، وما زال مؤمنًا ومصرًا..

هل تعلمون لماذا (ثقافتنا العربية) شديدة التلهّف إلى وجود مثل ذلك البطل في الوقت الحالي؟! ليس فقط لأنّ وضعنا اليوم مُزري وشديد البؤس بالضرورة؛ بل لأنّنا فقدنا الأمل الذي كان يدفع بالأجيال السابقة قُدُمًا، فنحن نعيش اليوم في ظل حضارة تزخر بوسائل الراحة التكنولوجية، وعلى الرغم من ذلك، قادت الكثير نحو البلادة، وتفتقر جدًا إلى “الأمل” الذي يغذّي الحضارة ويروي البشر كما كان..

الإنسان الذي يحيا على الأمل هو مَن يعيش حياته دون أن يهاب الموت، بل على العكس، يستقبله مبتهجًا لا خائفًا؛ لأنّه يؤمن تمامًا أنّه – أيّ الموت – هو مجرّد (غبار كوني) لا أكثر، غبار يتحرك على شذرة ضئيلة سابحة في الكون، فهو يؤمن بحتمية الموت كإيمانه تمامًا بحتمية “الاستمتاع” في الحياة وصناعة (بصمة) فيها؛ لأنّ الحياة ببساطة شديدة قصيرة جدًا مهما طالت. فالكون كله هنا لا يبالي بهذه الحقائق وغيرها، صاحب الأمل فقط مَن يبالي، فخلّي عندك أمل..

التركيبة النفسية والروحية للإنسان مبنية على الأمل حتى يتمكّن من مواصلة رحلة الحياة العابرة، فالأمل هو الوقود للمحرّك الذهني للشخص، وبدونه يموت العقل جوعًا، وتشيخ الروح وجعًا، وستثقلهما تجاعيد الألم من دنيا الوجع.
فكيف بإمكان الإنسان احتمال أسى الواقع وصعوبته إن لم يكن لديه أملًا بأنّ المستقبل أفضل من الحاضر؟! حتى لو كانت جميع المعطيات تشي بعكس ذلك، فمجرد التفكير بأمل سيولّد الشعور بالأمل، ويحفّز السلوك المفعم بالأمل، وهذا دواء للراحة النفسية، وتكنيك هام لاستمرار القدرة على العيش في ظلّ الظلم والقهر لهذا العالم شديد العتمة..

يعتقد كثيرٌ من الناس أن وجود مشاعر (الحزن والغضب) يقتل الأمل ويناقض مفهوم السعادة، وهذا خطأ معرفي كبير، ويعود السبب الأول لذلك الخطأ في التفكير؛ أنّها مشاعر إنسانية وتفاعل بشري طبيعي مع الأحداث المثيرة، أمّا السبب الثاني فيعود إلى أنّ تلك المشاعر وإن كانت سلبية، إلاّ أنّها تشعرك بإنسانيتك، وأنّك ما زلت تبالي لأمرٍ ما وتتفاعل معه، بمعنى آخر ما زال هناك أشياء لها أهميتها عندك، وتحزن وتغضب من أجلها، وهذا بحدّ ذاته أملًا، لذلك، فإنّ انعدام الأمل هو نقيض السعادة، والاستسلام بسهولة لخراب الأشياء وفساد الأشخاص ودمار العلاقات.
والمطلوب منك الآن إعادة تعريف الأمل في دماغك، حتى تستمتع برحلة العمر، بحلوها ومرّها، وجعلها مفعمة بالأمل؛ لأنّ انعدام الأمل هو (جذر) القلق والاكتئاب وأسّ ما ينجم عن تلك الأمراض العُصابية شديدة الانتشار حاليًا، وهو أصل البؤس كله وجميع السلوكات الضارة التي يمارسها العباد في البلاد؛ أتدرون لماذا؟! الجواب ببساطة، لأنّه يولّد القناعة بأنّ المستقبل لا أمل فيه إطلاقًا، وهنا بالضبط يكون المقتل على مذبح اليأس..

مفارقة التقدم في العصر الحديث، تكمن في علاقة “طردية” ما بين الرخاء وانعدام الأمل أكثر من أيّ وقت مضى، فكلما حصل الإنسان على أشياء أفضل كلما بدا أكثر يأسًا، وربما يعود السبب في ذلك إلى حقيقة صادمة جدًا، وهي (انعدام الأمان) بالتزامن مع زيادة (الرخاء التكنولوجي)، فكلما صار العالم أحسن حضاريًا، كلما كانت “الخسارة” أكبر، وكلما صار (أثر) أية خسارة أعظم شأنًا، وما أكثر الخسائر في هذه الأيام.
وفي هذا العصر، أدّت الوفرة في وسائل الاتصال والكثرة في التواصل الرقمي التي سهّلها لنا العالم الحديث، إلى شحن المزيد من مشاعر (الألم) بدلًا من الأمل، إنّها مشاعر الألم الناجمة عن (وهم) التحكّم بالذات أمام سطوة التحكّم العالمي في كل شيء، وهي مرهقة جدًا، وأشدّ سوءًا في التأثير على تدهور ثقة الإنسان بنفسه وبمستقبله، وبذلك تُعيق من تطوّر مشاعر الأمل لديه.
وفي ظلّ العيش في تلك (الكآبة)، المحلية والعالمية، التي أصبح الإصابة بها في كل جيل جديد (أبكر) عمريًا ممّن سبقه، تبدأ أزمة الأمل عندما يتولّد إحساس عميق بعدم القدرة على التحكّم بالنفس والمصير، فيتملّك الإنسان حينها مشاعر بأنّه (الضحية) لهذا العالم الشرس، والأسوأ من ذلك عندما يكتشف متأخرًا أنه ضحية لِ (عقله) هو الذي يفكّر بهذه الطريقة البائسة، فتطحنه وقتها رحى مشاعر الإحباط وتتمكّن منه. وربما حينها لن ينفعه الندم ولا الندب، لن ينفعه في كل الأحوال سوى (الأمل)، وفقط..

فلا مفرّ أمامنا إذًا من أن نصنع الأمل ونبنيه ونديمه، على الرغم من تنامي التوحّش الإنساني والإحباط الكوني، ولا يمكننا فعل الأمل سوى بسيطرتنا على حياتنا وتوجيهها كما نريد أولًا، أمّا ثانيًا، فإنّ امتلاك الإنسان لمنظومة من (القيم) في عصر اللّاقيم، تمكّنه من إحياء الأمل، فالقيمة هي وحدها الكفيلة في هذه الحقبة الخاوية بأن تمنحه الأمل، وبأنّ هناك شيء مهم يستحق العناء والعيش لأجله، ونأتي الآن إلى ثالثًا وأخيرًا، حيث يأتي (التضامن الاجتماعي) والتماسك بين أفراد المجتمع الواحد ليتوّج هذا الثالوث في احتراف صناعة الأمل.
ومن أجل الوصول إلى مرحلة (الشفاء النفسي) والاستمتاع به وخلق الأمل من جديد حتى من رحم المعاناة ذاتها، من الضروري تطبيق قيمنا على أنفسنا أولًا بشكل واضح حتى نتمكّن من تطبيقها على جميع من حولنا، لا بل على العالم بأسره..

ولا يسعني هنا إلاّ أن أختم بكلمات المتنبّي التي تُحيي الأمل في النفس البشرية، التي غارَ بها واستشرف مستقبلها، وبذلك سبق علماء النفس بمسافة وزمن لا بأس به، فقال:
“لا تلقَ دهركَ إلاّ غيرَ مكترثٍ، ما دام يَصحَبُ فيه روحكَ البدنُ، فما يُديمُ سرورٌ ما سُررتَ به، ولا يَرُدّ عليكَ الفائِتَ الحزنُ”..

وتذكروا أنّ أول الشجرة بذرة، وأنّ شيخوخة الروح لا علاقة لها بتقدم العمر؛ وإنّما يصبح الإنسان عجوزًا ويهرم عندما يغيب الأمل عنه، وآمنوا أنّ غدًا يومٌ أفضل، فتلك لغة الأمل، وهكذا فقط يتكلم الأمل، فالأخير حلم المستيقظ، فلا تحلموا وأنتم نيام.
واعلموا جيدًا أنّ الغنيّ حقًا هو مَن يملك الأمل؛ فبه ومعه ومنه يملك كل شيء، فاختاروا الفقر أم الغنى..

ولحين ولادة القناعة بالغد الأجمل، وإن كانت الولادة عسيرة من رحمٍ عربيّ متضخّم بالمآسي إلى حدّ الإصابة بالهبوط، سيبقى لنا حتى ذلك الحين حاضرًا مفعمًا بالأمل، وحتمًا سيكون لنا حديثٌ آخر وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “خلّي عندك أمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Don`t copy text!