#تأكّد

#تأكّد المأجورة
1٬172 مشاهدة

في ذهني كما في ذهن كثيرون مثلي سؤال حائر محيّر، نردده في دواخلنا غالبًا، وقد نبوح به على الملأ أحيانًا، سؤال ما زال يتردّد على ألسنتنا وفي قلوبنا ولا نسمع سوى صداه؛ لأنه سؤال توّهنا وحيّرنا في ذات الوقت، فماذا قدمت الكتابات “المأجورة” أو المسعورة حتى أكون أكثر دقّة في الوصف، ماذا قدمت للمواطن والوطن؟؟!!

أكاد أجزم ولست أدّعي هنا عندما أصف الإجابة على السؤال أعلاه، بأنها ربما أكثر حيرة من السؤال نفسه؛ ويعود السبب في ذلك أن تلك الأقلام التي (تكتب)، تارة تعطي الشعب مسكّنات ومهدئات منتهية المفعول والصلاحية، وتارة أخرى تؤجّج مشاعر الشارع وتصبّ الزيت على النار، ولأن الشعب مُنهك وحيران ومسحوق كذلك، انقسم بين هذا وذاك.
وما بين “الخائن المأجور” في ذهن السلطة، وما بين (السحّيج) في ذهن المعارضة، تاه جيل بأكمله، والخاسر الأكبر المواطن (الشريف) والوطن (النظيف). فتشابهت أهدافهم وإن اختلفت الطرق، وكأن كلا الطرفين اعتاد ركوب الموجات الطارئة، وصناعة الشهرة والانتشار (المغرية) على ظهر المطحونين، وكأن لسان حالهما يقول لهم: أنتم في كل الأحوال مغيّبين مغبونين، فتبًّا لكم، وتبّاً لمن لا يركب على ظهوركم، فأنتم كالنعام التي لا تفعل شيء سوى أن تأكل وتنام،، فادفنوا رؤوسكم في الرمال مثلها، فذلك ما تستحقّون !!!
هذا لا يعني نفي وجود أقلام نظيفة تتأرجح ما بين الطرفين؛ ولكنها مهمّشة، غير مرئية ولا مسموعة، يتم استبعادها حتى لا يفيق المواطن من سباته العميق،، ويا لهول المشهد،، دستور من واقع القلم الرديء..

جميلة هي حملة #اكتب الحالية إن كانت لأجل المواطن والوطن، ولكن الحذر الحذر من الفئتين اللتين وصفناهما هنا في الفقرة السابقة، فليس المهم الكتابة بحدّ ذاتها؛ وإنما المهم ما يُكتب، ومصداقيته، وفحواه، ودلالاته، والأهم هي أغراضه وأهدافه.. المأجورة

لا شكّ أن الكتابة سابقًا كانت ماجدة وصانعة للمجد؛ لأن هدفها كان يقتصر على تلقين الدروس في (قيم الكتابة) ضدّ الأجر والأجرة، كل ذلك وأكثر لحماية التاريخ والحاضر والمستقبل، وحماية الجغرافيا كذلك. أما الآن، باتت الكتابة تهمة وإدانة في ذات الوقت، فتم إصدار الحكم عليها بالإعدام ماديًا ومعنويًا للأسف الشديد، وانتفى بذلك الحسّ الأخلاقي المبدع إلى أن احتضرت الأقلام (غير المأجورة)، وطغت عليها الكتابة المقترنة بالأجرة “لمن يدفع أكثر”،، هذا هو حال الواقع العربي الكتابي والعلمي، فهو حافل بالبذاءات التي يتقيّأ بها الطارئون وكتبة التدخّل السريع، إلى أن وصلت الكتابة مثلها مثل (اليانصيب) لمدمني الحرفة، وكأنهم مقامرون على طاولة “الروليت”، وهذا إن وشى بشيء ينمّ عن أمراض نفسية تعتورهم قبل أن تكون أمراضهم أخلاقية بامتياز، وبذلك يضيفون مساحة أخرى سوداء في تاريخ العرب شديد السواد،، واأسفاه..

ما أحوجنا اليوم لِ (قلم الحقّ) الطاهر غير المسموم بالأفكار التي يخطّها مداده، الذي لا يحاول تشويه صورة الوطن المشرقة، ولا يعبث بأمن وأمان المواطنين وعيشهم الكريم، قلمٌ يتكلّم بلسانٍ عربيّ لا غربيّ، ليرسم ملامح المجتمع وتطلعاته نحو التقدم والتطور ومواجهة التحديات الداخلية والمؤامرات الخارجية، فمسؤولية من يمسك القلم في الوقت الحاضر (تاريخية)، والتاريخ لا يرحم ويسجّل القوائم السوداء باستمرار..

وقياسًا على ما قال الفيلسوف الألماني فردريك نيتشة “إن خدمة الحقيقة هي أصعب أنواع الخدمات”، وتأكيدًا لذلك نقول هنا أن الفرق بين العثور على الحقيقة وما بين ابتكارها جوهريّ للغاية، فلا تكونوا ممن يجيدون صياغة حبكات الحكايات الدرامية الملفّقة، حتى لا تُثيروا فضول المواطن البسيط، فيسيل لعابه الفكري لتشويه ما يعرفه ويريحه، فقال الله تعالى في سورة المائدة ” لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسؤكم”،، قاعدة سلوكية رائعة مريحة للعقل البشري وللعيش دون إساءة لا للذات ولا للآخر..
وأخيرًا نقول لمن يكتب: هناك فرق كبير جدًا بين اغرائية “الوقار” وبين اغرائية “الانتشار”،، ويبقى لكم الخيار..

طالما هناك ظواهر مرهقة للمواطن وللوطن سيبقى قلمنا يخطّ مداده ليحلّلها من الزوايا النفسية والاجتماعية، وسيبقى لنا دومًا من هذا الحديث من بقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !