مراهق في مجتمع (الميم)

مراهق في مجتمع الميم
1٬876 مشاهدة

سأطرق في هذا المقال أحد أبواب (التابو) الموصدة بإحكام والممنوعة من الاقتراب منها في كل الأحوال، ضاربة بذلك عرض الحائط مهما كانت العواقب.
سأناقش هنا حال المراهق المسكين في (مجتمع الميم) أي مجتمع “المثليين”، فإنّ فظاعة ما يحدث في مجتمعنا يستدعي منا جميعًا الخوض في هذا الموضوع الشائك والمغلوط في ذات الوقت، لإدراك تفاصيله وحيثياته بشكل (علمي) صحيح يساعدنا على إيجاد مجموعة من الحلول الآمنة؛ لأن مساحة اللُّبس والخلط واللّغط في كل ما يتعلق بِ (مجتمع الميم) يتجاوز مساحة فهمه بشكل دقيق وصحيح بمسافات..

تردّدت كثيرًا قبل الخوض في هذا الموضوع على أهميته، فهو بمثابة السير في حقل ألغام، وعلى الرغم أنني متأخرة جدًا في الكتابة عنه، إلاّ أن ما اضطرّني لتعجيل الكتابة عن هذه “الظاهرة” – نعم هي وصلت لمرحلة الظاهرة ولكنها (خفيّة) – فئة اليافعين والمراهقين/ات التي أرهقتني جدًا لهول ما أراه يوميًا وأسمعه منهم وعنهم، كما أرهقني بالمقدار نفسه “جهل” كثير من الآباء والأمهات في التعامل مع أبنائهم وبناتهم المراهقين، فرغبتهم في “النماذج” المتخيّلة في عقولهم عنهم، والمرغوبة لديهم عن شكل وأداء أبناءهم وبناتهم، وإصرارهم على تربيتهم بذات الطريقة التي تربّوا هم عليها، وبذات الأدوات، متغافلين أنها وإن صلحت في عصرهم لن تصلح إطلاقًا لهذا الجيل، وفي هذا العصر على وجه الخصوص.
كما أن أخلاق المهنة أجبرتني على ضرورة قرع ناقوس الخطر أمام الأهالي وصنّاع القرار؛ لتنبيههم ولفت نظرهم عن انتشار (عدوى سلوك) فتّاكة بين المراهقين/ات، وإن كانت خفيّة وغير معلنة، إلاّ أنها موجودة وبكثرة، فلا بدّ مما ليس منه بدّ لتسليط الضوء عليها، من أجل التعامل معها بجدّية مساوية بأهميتها للخطورة التي تهدّد الصحة النفسية والجسدية لليافعين بناة الغد وقادته، وما لذلك من أثر جسيم على الصحة المجتمعية كذلك..

في البداية يجب أن أصحّح هنا بعض الأخطاء الشائعة المنتشرة بشدة لدى كثير من الناس إن لم يكن جميعهم، لا بدّ من التفريق هنا ما بين (الهوية الجنسية) وما بين (الهوية الجندرية)، فكلاهما تنمو وتتطور في مراحل النموّ المختلفة قبل المراهقة وخلالها، وتتبلور في مرحلة المراهقة، وتثبت في مرحلة الشباب وما بعدها، جنبًا إلى جنب مع تطور جميع الهويات الأخرى كالهوية الشخصية والاجتماعية والثقافية والوطنية والذاتية وغيرها.

“الهوية الجنسية” تشمل الجنس التشريحي (ذكر أو أنثى) وما يرتبط بذلك من هرمونات متطابقة مع جنس الشخص وجنس دماغه، فإما هوية ذكورية أو أنثوية متوافقة مع الجنس التشريحي، كما تتضمن الهوية الجنسية (الميول الجنسية) كذلك، سواء كانت (مثلية) أي مع ذات الجنس، أو (غيرية) أي مع الجنس الآخر، وقد تكون ميول (مزدوجة) مع الجنسين، والهوية الجنسية “موروثة”.

أما “الهوية الجندرية” فهي تطابق مظهر الشخص وسلوكه ولباسه واهتماماته وأدواره مع جنسه التشريحي، وليس لديه/ها مشكلة في المظهر الخارجي، فإن كان ذكرًا بيولوجيًا يقبل بمظهره الرجولي الخارجي، وإن كانت أنثى بيولوجيًا تقبل ما يتطلبه منها مجتمعها من حيث اللباس والسلوك والمظهر الأنثوي والأدوار المناطة بها ثقافيًا، والهوية الجندرية “مكتسبة”.

والنقطة الهامة جدًا هنا التي يجب التنويه إليها وتوضيحها للجميع؛ أن الميول الجنسية ليس لها علاقة إطلاقًا بِ (اضطراب الهوية الجندرية) الذي سنتحدث عنه لاحقًا ونتفرّد له في مقال خاص، فهناك الكثير من الحالات لا يمكن تمييز ميولهم الجنسية من قبل الناس غير المختصين بأنها “مثلية”؛ لأن مظهرهم الخارجي متطابق مع جنسهم الداخلي.
أما المتحولون جنسيًا فتلك فئة أخرى ليست موضوعنا هنا إطلاقًا، اقتضى التنويه..

وما يجب على الأهل إدراكه اليوم قبل الغد، وتعليمه لأبنائهم وبناتهم في سنّ المراهقة، أنه من الطبيعي في تلك المرحلة أن يُثير اهتمامهم شخص من ذات الجنس، وهذا لا يعني بالضرورة صحة اعتقاده بأنه “مثليّ”، كما لا يعني كذلك أن الاهتمام بشخص من الجنس الآخر أن يكون “غيريّاً” أيضًا، فالموضوع أكثر تعقيدًا مما يبدو، وأكثر بساطة مما نظنّ، وما يهم المراهق وأهله هنا هو (الوعي) فقط بكل التفاصيل، لمساعدته في تطوير هويته الجندرية بما يتطابق مع الهوية الجنسية في الإطار الطبيعي المقبول اجتماعيًا.
وفي حال ظهور عدم التطابق بين الهويتين، وجب على الأهل طلب المساعدة فورًا لتحديد أوجه انحراف الهوية وأسبابها، ومساعدة المراهق في مسيرة نموه دون أن يتأزّم أو يضطّرب نفسيًا في أقلّ تقدير.

وهذه المرحلة العمرية خطرة جدًا، وبالذات في هذا العصر الرقمي، لذلك يجب توعية الأهل قبل أولادهم، وضرورة تنبيههم أن وجود مراهق/ة بميول جنسية مثلية لا يمكن علاجه بالعنف، ولا بالإنكار، ولا بالإخفاء، فجميع هذه الطرق تؤزّم الوضع أكثر وأكثر، وما كان بالإمكان حلّه بطرق ربما تبدو أسهل، تمسي أكثر تعقيدًا إذا تُرك المراهق/ة لوحده حبيس أفكاره وأسير نفسه وأصدقائه..

يضطر مراهقو (مجتمع الميم) – أي مجتمع المثليين – إلى إظهار عكس ميولهم وما هم عليه حتى يتجنبوا العنف والرفض من الأهل ومن المجتمع، لذلك ترافقهم في معظم الحالات الاضطرابات النفسية، ولا يعلم الأهل سببها، ولا يتم اكتشافها إلا عند المختصين، على الرغم من مقاومة أغلب المراهقين للاعتراف أو البوح بصراحة بحقيقة ميولهم؛ لأنهم يشعرون بأنهم مضطرون لإخفاء جزء مهم من أنفسهم خوفًا من العواقب، ومنعًا للفضائح وتجنّبًا للتنمّر.

لذلك فإن هؤلاء المراهقون هم الفئة الأكثر عرضة للانحراف والتسرّب من الدراسة، وربما الهروب من البيت، وقد يقعون فرائس لإدمان الكحول والمخدرات والأدوية دون إشراف طبّي، أما محاولات الانتحار والإضرار بأنفسهم فهي حسب المشاهدات ربما تكون الأعلى بين هذه الفئة من المراهقين المنبوذين من أسرهم..

توفير البيئة الآمنة جدًا للمراهقين، وإشعارهم بأمان ردة الفعل من قبل الأهل، والسماح لهم الاستفسار عن أي شيء، ومنحهم حرية البوح بما يشعرون دون تعنيف أو تأنيب، وإعطائهم شعور الأمان بالحفاظ على خصوصياتهم دون الإفصاح عنها وفضحها، يساعدهم جدًا على تطوير هوياتهم بشكل سويّ وفي المسار الصحيح.
ولا تنسوا أيها الأهل أن المعلومة متاحة جدًا حاليًا، وأصبح من السهولة بمكان الوصول إليها، لذلك إعطائها لهم من قبلكم في الوقت والكمّ الصحيحين، تحميهم من معلومات مضلّلة أو منحرفة عما هو صحيح ومقبول، ولا يوجد عمر محدّد هنا لإعطاء المعلومة المتناسبة معه، فطالما وصلت المعلومة لأولادكم وبناتكم وجب عليكم فورًا شرحها وتصحيحها دون خجل أو خوف، بخلاف ذلك فمصادر المعلومات متاحة رقميًا؛ ولأن الفضول يرافق المراهقين/ات سيبحثون عنها، في جميع ما يرتبط بالممنوعات، وفي مواضيع الجنس تحديدًا.
ولا تنسوا الرفاق والأصدقاء وشدة تأثيرهم في هذه الفئة العمرية، وانتشار التقليد بينهم بموضوع “الميول الجنسية”، الأمر الذي أدخل كثير من المراهقين في اضطراب الهوية دون داعٍ ودون سبب، لا لشيء سوى (جهل الأهل) في التعامل مع أولادهم وبناتهم، وعدم متابعتهم لهم بشكل صحيح.

فالتربية أيها الأهل ليست الرعاية فقط وتقديم الأكل والشرب والملابس والمال والهدايا، التربية أشمل وأعمق من ذلك، وهي الضمان لخروج أولادكم وبناتكم من مرحلة المراهقة بسلام ودون أضرار..

ومن الأمور الهامة أيضًا التي لا مفرّ أمامنا دون التنويه لها هنا؛ أن مرحلة ما قبل البلوغ لا يمكن تحديد الميول الجنسية فيها، فلا تخافوا إن أعلن لكم أبناءكم بأنهم من “مجتمع الميم” تقليدًا لأصحابهم أو اقتداءً بالمشاهير المغرمين بهم من الجنسين، ولكن هذا جرس إنذار لكم بتصحيح معلوماتهم ومتابعتهم أكثر.

ولكن إذا تعرض المراهق/ة لتحرّش أو اعتداء جنسي شوّه (البصمة الجنسية) الأولى، وتخزنت التجربة المشوّهة في الدماغ، فهذا قد يقوده للمثلية حتى قبل البلوغ، من باب الفضول والتجربة واعتياد السلوك وربما المتعة، وعند البلوغ تثبت هويته الجنسية على ذلك، في حال كان الأهل غايب طوشة أو يتنعّمون بحالة من الإنكار أو الإهمال.

أما إذا كان لديه/ها خلل هرموني داخلي وأحيانًا جيني، فهناك مؤشرات من الممكن التنبّه لها مبكّرًا تنذرنا باحتمالية وجود اضطراب لاحق، أو بميول مثلية بعد البلوغ..

وحتى نخرج من إطار التوصيف لا بدّ أن يرافق ذلك وصفة للحلول، ولكنها حتمًا ليست سحرية، فما يلزمنا الآن وبالسرعة القصوى هو (التوعية الجنسية)، والتنشئة على معلومات عن الهوية الجنسية والجندرية صحيحة وغير مغلوطة أو منقوصة ولا مشوّهة، سواء في داخل الأسرة وفي المدرسة، فتلك حاجة باتت ضرورة ملحّة جدًا في الوقت الحالي، وهي عملية تشاركية ما بين مؤسسات التعليم وأولياء الأمور والإعلام كذلك تحت إشراف المختصين/ات..

قد يتبادر إلى ذهن البعض، أننا نتحدث عن مجتمع لا يشبهنا، أو أننا نبالغ في الوصف، وهذه التهم الجاهزة المعلّبة وعلى شاكلتها الكثير نسمعها باستمرار، ومللنا تكرار الهجوم دون وعي أو دليل، لذلك نقول للجميع أن دفن الرؤوس في الرمال اليوم لا يجدي نفعًا، وما يحتاجه مراهقو مجتمع الميم اليوم أهم بكثير من مهاترات وسجالات لا تسمن ولا تغني من جوع..

وأخيرًا أتوجه بالرجاء الحارّ لأولي الأمر ومن يهمه الأمر أيضًا، تعريف المشكلة هو ثلثيّ حلها، وقبل أن نصحو يومًا من غفلتنا ونجد أنفسنا أمام ظاهرة انتقلت من الخفاء للعلن دفعة واحدة، حينها ليس بالإمكان السيطرة عليها بشكل صحّي لائق بما يناسب قيمنا الثقافية، وبما لا (يخصي) المراهقين/ات نفسيًا ومعنويًا.
وتذكروا أن مجتمعنا هو مجتمع (فتيّ)، أي أغلبه من فئة الشباب والشابات، بمعنى أن استفحال الظاهرة إن كانت من باب التقليد دون وعي وإدراك هي الأخطر على المجتمع على الإطلاق،، اتعظوا يا أولي الألباب؛ لأن التنظير واللغو الفارغ وحالة الإنكار التي يعيشها الأغلبية اليوم لا تقدّم ولا تؤخّر في استفحال الأزمات النفسية والاضطرابات الكثيرة بين المراهقين/ات.
ولعلّ ما ذُكِرَ هنا أعلاه يعطي تفسيرًا نسبيًا لظاهرة تزايد إصابة مراهقي العصر الحالي بأمراض النفس والعقل والأعصاب..

بعد هذا السرد من وحل الواقع لا وحيه فقط، حكمًا سيبقى لنا من هذا الحديث قصص أخرى وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !