“لاريكا” والهلوسة

لاريكا والهلوسة
1٬416 مشاهدة

نفسيتي زي الزفت معك شي؟؟ اه هلا بعطيك حبة تدعيلي، أنا ما بروق إلاّ عليه لما أكون مضغوط وتعبان وبهيك حالة..

الحوار المختصر السابق بات من المعتاد سماعه يوميًا بين الناس؛ الأصدقاء وأحيانًا الغرباء، الطلبة، جمعات الآنسات والمدامات، الشباب الصغار والكبار، المحبطون والمكتئبون، وإن بقي الوضع على ما هو عليه حاليًا لن نستغرب أبدًا انتشار تلك الحوارات بين الأطفال كذلك الله يحميهم ويحمي مجتمعنا..

لم نعد نرتعد خوفًا على أبنائنا وبناتنا من إدمان المخدرات والحشيش والكحول فقط؛ لأن الإدمان على المهدئات والمهلوسات في الوقت الراهن لا يقلّ خطرًا عن إدمان المواد المخدرة السامة للأسف الشديد.

بات من الشائع جدًا أن نجد في حقائب الفتيات والسيدات وجيوب الذكور نوعًا من أنواع الحبوب المدرجة تحت تصنيف (المهدئات)، ومنها: فاليوم، زانكس، لكساتونيل، ريفوتريل، برازين، لورانس وغيرها.
ومن باب (اعرف عدوك) لا بدّ مما ليس منه بدّ هنا وذكر أسماء الحركة – لتلك الأدوية – الدارجة هذه الأيام بين فئة الشباب والشابات والرجال والنساء، مثل صليبا، برازيلي، عشرة، ليكزو، والقائمة تطول.

ولم أستطع حفظ جميع أسماء الحركة لتلك الأدوية لغرابتها وكثرتها !! هل يوجد أخطر من هذه الظاهرة المرعبة على المواطنين وعلى فلذات أكبادنا أكثر من ذلك الآن ؟؟ لا اعتقد بل أجزم أنها الظاهرة الأخطر على الإطلاق حاليًا..

ما ذكرته هنا سابقًا لا يعني أنه يجب تحريم المهدئات وتجريم حاملها بالمطلق، فلا أحد ينكر أثرها العلاجي الفاعل لدواعي مرضية محددة، ولكنها (مشروطة) بإشراف طبي احترافي فقط.
وأقصد هنا إشراف “الطبيب النفسي” بالتحديد وعلى وجه الخصوص، وليس المشعوذين وأبو العرّيف، والطبيب فقط المخوّل بتحديد كميتها (بوصفة طبية)، وتحديد كيفية ومدة تناولها كذلك، وعلى المريض بالضرورة التزامه حرفيًا بتعليمات الطبيب.

وبالمقابل، من البديهي للطبيب – أي طبيب – سهولة الكشف بين “مدّعي المرض” لغرض الحصول على وصفة مهدئات، من المريض الذي يحتاجها فعلًا.

وتحت مظلة التوصيف الأخير (فقط) نستطيع أن نعتبر المهدئات نعمة لا نقمة، ومن الممكن اعتبارها أيضًا مقدمة محترمة لشفاء الأعراض لا شفاء الأمراض..

من الملحّ الآن ضرورة الانتباه والحذر الشديد من جميع الأطراف ذات العلاقة أن لا تتحول تلك الأدوية من نعمة (أمانها) إلى نقمة (إدمانها)، فتمسي مقدمة لفوّهة بركان أهوج على وشك الانفجار فترشق نيرانه الجميع دون استثناء بأذى غير محسوب حسابه..

دواء (لاريكا) هو الأكثر انتشارًا الآن بين الشباب والشابات لا بل بين الجميع كبارًا وصغارًا دون استثناء، ويتم تداوله في الجامعات والمدارس وفي السوق السوداء بين جميع الأعمار للأسف.
علينا جميعًا الآن إدراك هذا الخطر الداهم المدمّر والتصدّي له بكافة الطرق، بتضافر جهود الجميع وبأسرع وقت.
فمن يتعاطى هذا الدواء وغيره دون إشراف طبي لا يدرك المخاطر والآثار السلبية له، ولا يدرك كذلك مضارّ تعاطيه بهذه الطريقة العشوائية المرعبة..

صحيح أن حبوب (لاريكا) لم يتم إدراجها لغاية الآن ضمن قائمة العقاقير المخدرة، وهو في العادة يُستخدم من قبل الأطباء المختصين كمضاد للصرع، وكدواء إضافي في علاج الصرع الجزئي، ومهدىء لآلام الأعصاب. ولكن بعد سؤال بعض الأطباء أهل الاختصاص، أفادوا بأن تعاطي جرعة عالية من لاريكا قد تسبب الإدمان في بعض الحالات، واعتبروه من الأدوية التي تستخدم أصلًا لغايات الإدمان.
وهذا ليس رأي أهل الاختصاص فقط، لعلّ مشاهداتنا اليومية لشباب وشابات في عمر الورد يتناولون لاريكا بسهولة تناول الأسبرين والبانادول، دون إدراك خطورة ذلك، هو دليل على سوء استخدام دواء لاريكا بدافع الإدمان..

وهنا نتساءل على من تقع المسؤولية بالضبط؟؟ ومن هي الجهة المطلوب منها التحرك فورًا لوقف نزيف الأرواح، وتغييب العقول وتجميدها، وتصاعد وتيرة العنف والإيذاء للبشر والحجر، والموت البطيء لتناول المهدئات بشكل عام ودواء (لاريكا) بشكل خاص؟؟ كثيرون منا ينتظرون الإجابة !!

إن خليط المهدئات يا سادة والإدمان على (الشعور المتبلّد) ذي الخدر العاطفي، الذي تمنحه تلك الأدوية لمتعاطيها، للتخلص من التوتر والقلق وضنك الحياة وضغوطها، قد تلوّن حياته بألوان قوس قزح، نعم صحيح؛ ولكن لبرهة بسيطة فقط، ولا تلبث أن تتركه بعد فترة وجيزة أيضًا دون لون مع متاهات الإدمان، فإن كانت حبة واحدة أو اثنتين تفي بالغرض في البداية، لن يتمكّن المتعاطي مع استمرار تناولها والتعوّد عليها من الوصول إلى الشعور نفسه إلاّ عند مضاعفة العدد في كل مرة..

وكما اعتدنا على هذه الحياة فإن ما يأتي منها سريعًا يذهب سريعًا أيضًا، وهذا شأن دواء لاريكا وغيره، فإن عمره في الجسم قصير، وعتبة التهدئه تزيد مع الوقت بزيادة حاجة الجسم له بكميات مضاعفة للحصول على ذات الشعور، وهذا يعني الحاجة الملحّة لاستخدامة بتكرارٍ عالٍ وكميات أكبر لإحداث ذات الفعل المرضي والمريح على الجسد. فمن كان تكفيه ثلاثة أقراص يوميًا مثلًا، لن يكفيه بعد وقت (غير طويل) ضعف الكمية وربما أكثر؛ فهو كما النار في الهشيم..

من المحزن جدًا لأولئك الأشخاص أن هذا الإدمان الدوائي المرهق يقودهم إلى بذل الكثير الكثير من الجهد للحصول عليه بطرق شرعية و غير شرعية، والاستعداد لهدر الوقت والمال وحتى (الكرامة) من أجله، وتتمحور حياته كلها حول تأمينه بكميات تزداد مع الوقت.
وإن كان هناك أحيانًا محاولات من المتعاطي للانقطاع عنه لوحده دون مساعدة طبية، إلاّ أنها محاولات ذاتية طالما تبوء بالفشل ولا تستمر طويلًا، ويعود في أقرب فرصة لذلك العقار؛؛ صديقه الحميم ورفيق السوء الدائم..

يجب أن ننوّه هنا أن أخذ كمية كبيرة من المهدئات والأدوية الشبيهة سواء لاريكا أو غيره دون إشراف طبي محترف قد تودي بالحياة وتنتهي بالموت – لا قدّر الله -، خاصة إذا ترافقت مع أمراض أخرى، أو تم خلطها بعقاقير أخرى، والأخطر عند تعاطيها مع الكحول، وهذا ما يحدث حاليًا وبكثرة بكل ذهول وحسرة…

الحياة الرديئة نفسيًا وجسديًا وماليًا وعائليًا، والسمعة السيئة والبشعة على جميع الصُعُد، هي ما تنتظر (المدمن) على المهدئات وعلى دواء لاريكا وغيره عاجلًا أم آجلًا..

اتعظوا يا أولي الأمر واتعظوا يا أولي الألباب، ارحموا شبابنا بناة المستقبل..
دومًا لنا من هذا الحديث وصفة أخرى وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !