لعلّكم تتفكّرون

الحكمة - لعلكم تتفكرون
1٬014 مشاهدة

كل يوم يمرّ علينا يعلّمنا درسًا جديدًا من “مدرسة الحياة”، ونادرًا ما يكون درسًا مجّانًا، بل هو باهظ الثمن في كثير من الأحيان، والحكيم من تعلّم الدرس من تجربة غيره، وقدّر قيمته واتّعظ من ثمنه.
ومن مدرسة الحياة تتبلور شخصياتنا، وتُصقل من حصاد التجارب الكثيرة والخبرات الكبيرة التي نمرّ بها، الحلوة منها والمرّة، فنصبح أكثر خبرة كلما تقدمنا في العمر، ثم تصلنا الحكمة أخيرًا، والمحظوظ من أدركها في أوانها لا في وقت لن تنفعه في شيء..

“الخبرة” تتنوّر بالعلم، ولكن يجب أن لا تتوقّف عنده، ومن يريد الاستزادة منها وينهل من بحرها، هو من يلهث وراء علمٍ يزيده جهلًا، ووراء جهلٍ يزيده دهشة، ووراء دهشة تزيده متعة؛ متعة تمنحه الإرادة لسبر أغوار الحياة وأسرارها ومفاجآتها التي تفوق مخيالنا وأمنياتنا، بكرمها وكدرها في ذات الوقت.
فالخبرة هي كالمشط الذي تعطيك إياه الحياة بعد أن تكون قد فقدتَ شعرك، فاكتسبوها قبل فوات الأوان..

والعلم في أصله يصبح أكثر نفعًا إذا صاحب الخبرة، وكثرة العلم دون خبرة لا تفيد الإنسان مثلما قد تفيده الخبرة الكثيرة حتى لو كانت مع علمٍ قليل؛ لأن العلم إن تمّ تناوله في غير موضعه أمسى أضرّ من الجهل، كيف لا والعلم (دواء)، وترك المريض دون دواء أجدى له من تناول دواء خاطىء قد يرديه عليلًا أو قتيلًا..

الإقرار الدائم بالجهل مهما بلغ العلم والخبرة مداهما، هو ما يصنع فينا (الحكمة) ويُنير طريقنا، وهو أيضًا ما يسمح لنا في النموّ والتطور واللهاث وراء المعرفة، والتمنّع عن الوقوف على عتبة العلم فقط..

وتتضمّن (الحكمة) السمات العقلية المرتبطة بالقدرة على فهم المواقف، وتوقّع النتائج، واتخاذ القرارات الصائبة، وهي “مزيج متجانس” من: الرشد والنضج، والمعرفة، وعمق الفكر، وذكاء العقل، والتعاطف، وسرعة البديهة، والخبرة الكثيرة.
ومن الدلائل لأهمية الحكمة أنّ أحد أسماء الله الحسنى هو “الحكيم”، وهي نعمة يمنّ الله بها على من يشاء من عباده، كما قال في كتابه الكريم (يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتيَ خيرًا كثيرًا، وما يذكّر إلاّ أولوا الألباب)..

وفي كل يوم نسعى فيه نحو المعرفًًة نكتسب معلومات وخبرات جديدة، وتتأتّى الحكمة وتتراكم خلال تلك المسيرة، أمّا عكس ذلك ونقيضه هو (الحمق)، وليس بالضرورة أن يخلو الأحمق من الذكاء، فالحمقى يميلون إلى كثرة الكلام الخاوي، والتبجّح بِ (الأنا) والسعي وراء نفخها الفارغ بدلًا من حشوها بالمعرفة والاستزادة من بحرها العميق، واكتساب الخبرة والمهارة منها.
وفي ذات الوقت إنّ وجود (المعرفة) لوحدها ليست كافية ليتّصف الشخص بالحكمة، وإنما إدراك “نسبية” المعرفة وكيفية تطبيقها في سياقها الصحيح هو المهم؛ لأنه ببساطة شديدة قد تنقلب المعلومة الجيدة إلى سيئة إذا تمّ استخدامها في سياق غير لائق، وما قد يناسب شخصًا قد لا يناسب غيره في بيئة مختلفة، وهنا مكمن الحكمة، في تمييز المتغيرات وفهم الظروف والملابسات، وعدم تطبيق شيء نجح في مكان ما دون التأكد من صلاحيته ونجاحه في مكان آخر، ومثال على ذلك خطأ تقديم المشورة للآخرين بناءً على “التجربة الشخصية” وحدها، فلكل فرد خصوصيته وظروفه المتفرّدة، فليس من الحكمة التعميم لمجرد أنها نجحت على مستوى شخصي، فلكل إنسان أولويات وتفضيلات وخلفية ثقافية واجتماعية مختلفة، ربما تصلح في سياق محدّد وقد لا تنجح في سياق آخر..

وحتى يحظى الشخص بلقب “حكيم”، يجب عليه أولًا أن يكون شغوفًا بمعرفة جميع الآراء المتنوعة، ومعرفة أسبابها وفهم منطقها ومبرراتها قبل إصدار الأحكام؛ لأن الحكيم يدرك تمامًا أنه لا يوجد (حقيقة مطلقة) في هذه الحياة، ولا يمكن فهم أي شيء من زاوية واحدة فقط، وإنما يصبح لديه القدرة لرؤيتها من أكثر من منظور، ويدرك أهمية أن يكون أكثر مرونة مقارنة بمن تكون وجهة نظره حبيسة (الرؤية الموروثة) والمتناقلة دون غربلة وتمحيص، كما أنه لا يقبل التمسّك بتفسير أوحد ووحيد بناءً على المقولات المعلوكة (هذا هو المتعارف عليه، والكل هيك بحكي)، فالحكيم من لديه القدرة على إعادة تقييم الأفكار الشائعة طبقًا للمعارف والمعطيات الجديدة..

ولا بدّ هنا من التنويه أنه ليس بالضرورة أن تقتصر الحكمة على العمر المتقدم فقط، فقد يكون الشخص في مقتبل العمر ويتّسم بالحكمة كذلك، ويعود السبب لهذه المفارقة؛ أنّ ذلك الحكيم، الصغير عمرًا، يقرأ كثيرًا، ويسافر دائمًا، وتجاربه ثريّة، وثقافته غزيرة، لدرجة قد تفوق من هو أكبر منه عمرًا، وربما يكون الأخير قد تدهورت قدراته الذهنية بحكم التقدم بالعمر، أو متصلّب في رأيه فتصبح خبراته أقل..

وأخيرًا نقول أن الحكمة عملية مستمرة باستمرار الحياة، فلا تقف عند حدّ معين أو عمر ما، ولا تنضب، ربما تزيد أو قد تنقص، فهي ليست ثابتة، وتعتبر من أهم (الموارد النفسية) التي تفرض على الإنسان بذل مجهود كافٍ للحفاظ عليها، وتنميتها، وصقلها بالعلم والمعرفة والخبرة باستمرار، حتى لا تندثر كما اندثر “الحكماء” في عصر العرب الحالي، فما ينقصنا حقيقةً اليوم هو “الحكمة والحكماء”، ربما يتحسّن حالنا إن تكاثروا أو عاد من بقي منهم إلى رشده.. وهيهات..

لا أجمل من كلام الله تعالى أنهي به هذا المقال من كتابه الكريم عندما قال (ادعُ إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالّتي هي أحسن، إنّ ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين).. صدق الله العظيم..

وهل هناك ما هو أفضل من الحكمة المجبولة بالعلم والمعرفة، والمسكونة بالخبرة، ليكون لنا عنها حديثٌ آخر وبقية!!.. حتمًا لا… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !