هستيريا معكورونا

هستيريا معكورونا
2٬371 مشاهدة

المجتمع العالمي بأكمله، والمجتمع العربي على وجه الخصوص، مُصاب اليوم بما يسمّى في التوصيف النفسي والاجتماعي بِ (الهستيريا الجمعية)، أو (العدوى الهستيرية)، أو (السلوك المضطرب الجماعي)، والتي تنتشر غالبًا وقت الحروب والكوارث، وما أكثر حروب العرب وكوارثهم حاليًا.

الفرق في الهستيريا التي رافقت (الكورونا) وفاقتها خطرًا في العالم الآخر، أنّ بلدانهم مجهّزة، وإمكاناتهم عالية، وتركيزهم على الحلول أعلى من الاكتفاء في وصف المشكلة، واجراءاتهم وقائية قبل أن تكون علاجية، في حين أن الهستيريا العربية مع الكورونا فهي العكس تمامًا، فلا إمكانات، ولا تجهيزات، ولا إجراءات وقائية، ولكننا نفوقهم في حجم الذعر والخوف والهلع دون “فعل”، وإن وُجد الأخير لا يكون بمستوى الحدث، كيف لا وثقافة (الترهيب) والتهويل هي ديدننا..

السلوك الهستيري المتفشّي اليوم مع (الكورونا) هو شكل لِ “الرهاب” النفسي والاجتماعي، الذي يظهر عندما ينتقل الذعر والهلع والخوف من شخص لآخر، حيث يقوم الشخص المصاب بنقل مجموعة من الأوهام التي تشمل تهديدات، إما على الصحة أو على نوعية الحياة أو الوجود ذاته، وسواءً كانت تلك التهديدات حقيقة أم خيال فهي حتمًا مضخّمة جدًا وفيها كثير من التهويل، الأمر الذي يسبّب الرعب والهلع بين أفراد المجتمع الذين يتشاركون الحيّز المكاني ذاته، فيصبح الجميع مصابين بالأعراض النفسية ذاتها ويتصرفون بذات الطريقة.
وهذه هي “الهستيريا” المنتشرة حاليًا بسبب الكورونا، والتي أضحت تشكّل تهديدًا أكثر خطورة على أفراد المجتمع من فيروس الكورونا ذاته؛ لأنها ببساطة شديدة تؤثر على نوعية الحياة واستقرارها، فالخوف قد يكون قاتلًا مثل أي وباء وربما أكثر، فهو يقتل ببطء شديد يتمنى معه المصاب الموت فعلًا..

مصدر هذا الهلع بالطبع أولًا وآخرًا هو (الشائعات)، وأمست اليوم تنتقل بسرعة كالنار في الهشيم، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، بواسطة “جوعى الشهرة” لتحقيق السبق الإعلامي، دون الاكتراث لنتائج ذلك الكارثية على العقل الجمعي والصحة النفسية والاستقرار والأمن المجتمعي للمواطنين وللوطن. ولكن لا تجد مثل تلك الشائعات أرضًا خصبة لها سوى في المجتمعات التي تفتقر إلى (الوعي)، والتي يتفشّى فيها الجهل، وتحترف النقل دون تدقيق وتمحيص، وكذلك في المجتمعات المحبطة وفاقدة الثقة في حكوماتها ومصادرها الرسمية، لذلك تلجأ إلى تصديق الإشاعات وترويجها.
أما المصدر الثاني لانتشار الهلع الهستيري دون أدنى شكّ هو ضبابية المعلومة تارة وتضاربها تارة أخرى، وتأخر إعلانها من قبل الجهات الرسمية المختصة، وإنّ الحلّ لهذه المشكلة (المتكررة) في يد أولي الأمر فقط، للقضاء على الإشاعة على محراب الشفافية والصدق..

ونحن لا نقلّل هنا من شأن الانتباه وضرورة أخذ الحيطة والحذر، والاهتمام بقواعد النظافة، ولكن من البديهي أن تكون على مستوى يومي وليس بسبب انتشار فيروس على مستوى العالم، وفي المقابل، لقد سمعنا الكثير من الآراء من العديد من الأطباء المختصين وغير المختصين؛ بأنّ فيروس كورونا هو نوع من أنواع الفيروسات الأخرى للإنفلونزا، الفرق بين هذا النوع الجديد المتطور عن سابقيه، هو أنّ جسم الإنسان غير معتاد عليه، ولم يطوّر بعد أجسام مضادة لمقاومته نظرًا لحداثته، كما أكّد المختصون مرارًا وتكرارًا بأنّ فيروس كورونا غير مميت إطلاقًا، إلاّ لمن تكون مناعته الجسدية متدنية مثله مثل أي فيروس آخر، ولكن ألا تعلمون يا سادة أنّ الخوف والهلع والتوتر يقلّل من المناعة النفسية، وألا تعلمون أنّ المناعة النفسية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا في المناعة الجسدية، وهل تعلمون أيضًا أنّ الإنسان عندما يفكر بلغة الخوف يفرز سمومًا تؤثر على مناعته وتضعفها؟!

إنّ تضخيم سلوك الحذر المرتبط في كورونا العصر، والاستجابات لتحدياته على مستوى الشعوب والدول يستوقفنا بشدة، خاصة ونحن في خضمّ العصر الحديث، عصر التطور العلمي في جميع النواحي، ولا سيّما الطبية منها، وما يحدث حاليًا يجب أن يستفزّ الحكماء والمراقبين عن كثب لتحليل أسباب هذا الهلع العالمي، فهل يا ترى هناك ما ينتظرنا أسوأ مما حدث ويحدث ومما مرّت به الدول العربية وشعوبها المسحوقة قبل المرض؟! فما بالكم بعده؟!

تعود أصول “الهستيريا الجماعية” إلى غريزة البقاء المتأصّلة في الكائن البشري وتنبع منها، وتحدث عندما تظهر آثار مشكلة أو مرض ما على بعض الأشخاص، ويكون السبب في ظهور تلك الآثار ليس المرض بحدّ ذاته، وإنما القوى النفسية والاجتماعية التي تسببها، لذلك تعتبر شكل من أشكال عدوى (السلوك العاطفي)؛ لأنّ تقليد السلوك يتفشّى من التأثير الشديد للكلمة والإشاعة والصورة وكل ما يتم تناقله في الواقع وعلى المواقع.
ويرتبط ظهور الهستيريا بوجود القلق، فإن ظهر أحدهما اختفى الآخر، فيطغى السلوك الهستيري هروبًا من القلق وللتخلص من وساوسه غير المحتملة، فتحلّ هيستيريا السلوك محلّ الشعور في القلق من خلال (عدوى الإيحاء)، الأمر الذي يخفّف الإرهاق على المصابين..

المرض الأخطر على الإطلاق من الكورونا حاليًا ويستدعي التدخل العلاجي سريعًا هو مرض الهستيريا الذي نجم عن الكورونا، حيث تم إغلاق العديد من المصانع، وتأثرت الأسواق المالية والبورصات، وإلغاء الرحلات والسفر، وقطع العلاقات الاجتماعية، وإيقاف التعليم، وإغلاق المدن، والتسارع على أماكن التسوّق لشراء الأغذية بكثرة خوفًا من أي حجر صحي محتمل، وغير ذلك من الإجراءات الاحترازية المضخّمة، كل ذلك وأكثر بسبب الأخبار المتداولة عن سرعة انتشار الفيروس في العالم واحتمالية تحوله إلى درجة “الوباء”، فأمست مثل تلك الإجراءات الوقائية المبالغ بها هستيريا أخطر من الكورونا نفسها؛ لأنها انتحار بطيء نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا..

ولا مناص أمامنا الآن من ضرورة معرفة “الحدود” بين احتراف النظافة واتخاذ اجراءات وقائية والحذر، وما بين الانزلاق في عدوى (السلوك الهستيري) بسبب الذعر، شتّان بين الأمرين، لذلك احذروا من حملات “التضليل” الاستفزازية، ولا ترخوا آذانكم إلاّ للمصادر الموثوقة جدًا، وإن كان للكورونا من فائدة فعلًا فهي تعليم كثير من الأشخاص أبجديات النظافة وآداب العطس، بعد أنا كان ينالنا رذاذ الأخيرة في كثير من الحالات..

وأخيرًا وليس آخرًا نقول لكم، أنّ الهلع والذعر والخوف لا يمنع “الموت” ولكنه حتمًا يمنع (الحياة)، والخيار لكم..
وفي ظلّ هذا الصرع العالمي والهستيريا معكورونا بالتأكيد سيكون لنا من هذا الحوار بقية إلى أن تنتهي هذه القصة وتظهر غيرها كما اعتدنا… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !