“الدارونية” الاجتماعية

دارون - الدارونية الاجتماعية
678 مشاهدة

يُسيء الكثير من الناس حتى المثقفين منهم في تفسير “قاعدة دارون” التي تنصّ على أنّ (البقاء للأقوى)، واستغلّها الكثير بعد الثورة الصناعية وطبقوها على البشر للأسف الشديد، فالغني ازداد غنىً، والقوي ازداد قوة، أما الفقير المسكين فقد تمّ سحقه وهدر إمكانياته حدّ الاندثار والتلاشي، فأوجد هذا الفهم ظواهر اجتماعية وأمراض نفسية أضرّت المجتمع جدًا؛ بسبب تفشّي حالة “العوز” التي خلقت حالة من “الجهل” في العقل الجمعي لشريحة كبيرة من المجتمع، والنتيجة الحتمية كانت في الطبع هي (أزمة الأخلاق)، وهي السبب الرئيس لتدهورنا جميعًا نحور الوراء آلاف الخطوات، مهما مشينا خطوات نحو الأمام..

ومن وجهة نظري الشخصية، وقد أكون مخطئة، أننا إن طبّقنا نظرية دارون نفسيًا واجتماعيًا على الشعوب، تكون فعليًا تعني أنّ البقاء فيها حكرٌ على (الألطف والأنقى والأكثر تعاونًا) بما يضمن بقاء الإنسان والأنواع الأخرى على المدى الطويل؛ لأنّ تطوّرنا على مرّ العصور كان نتيجة التعاون والتكاتف والرعاية لبعضنا البعض، حتى نزدهر ونربّي صغارنا معًا لمصلحة الجميع لا لمصلحة الأقوى فقط، سواء كان أقوى ماليًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا أو علميًا، وجميع أنواع القوة الأخرى التي تمنح السلطة بجميع أشكالها..

ومن أخطاء التفكير التي تعتَوِر عقول الكثير هي الجدال والسجال الذي ساد وربما ما زال سائدًا حول من يأتي أولًا، العربة أم الحصان، فكان الأغلبية يضع العربة أمام الحصان حسب تعريف كل شخص لذلك الحصان ولتلك العربة، هل هو السياسي أم الاقتصادي أم العلماء والمثقفين؟!

ولكن أزمة كورونا أثبتت للجميع بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ ((الأخلاق)) هي العربة، وأنّ ((الإنسان)) الصحيح جسديًا وعقليًا ونفسيًا هو الأساس، وهو الحصان الأصيل الذي بإمكانه قيادة عربة الأخلاق مهما كان حملها ومهما كان نوع هذا الحمل، وهنا يصحّ المثل الشعبي القائل “الفرس من الفارس”.. دارون

وما يبدو لنا الآن خرافات خيالية سواء في العلم أو في السلوك الإنساني، كان في يوم ما أفضل ما وصل إليه العلم والإنسان، وسلوكياتنا وعلومنا الحالية ستكون في المستقبل القريب ليس أكثر من خرافة خيالية، وهذا من إيجابيات “أزمة كورونا” التي جعلتنا نصحى على واقع قد جبّ ما قبله، والذكي والحكيم من يغتنم الفرصة ولكن بأخلاق لا متناهية..

واعلموا جيدًا أنه لا يوجد شخص فاشل أبدًا؛ وإنما يوجد شخص بدأ من القاع وبقي هناك، لذلك ازدحم الأخير،، وللخروج منه يحتاج إلى (سلّم الأخلاق) ليصعده درجة تلوَ الأخرى ويترك ما ركد منها وراءه..

نحن في هذه الحياة برحلة قصيرة، مهما طال أمدها، ونتعلّم فيها “الوصال الأخلاقي” مع كل ما ينبض على هذه الأرض، وإنّ فعلًا حميدًا واحدًا يقود لآخر، وهكذا تنتشر (عدوى السلوك) في كامل الكرة الأرضية..

كما أنّ مودّتنا لبعضنا، واهتمامنا ببعضنا، ورحمتنا اتجاه بعضنا ما سيقرّر مصير “الجنس البشري” لا بل مصير الكوكب بأسره..
اتعظوا يا أولي الألباب، ومن يتّقِ الله يجعل له مخرجًا..

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

2 thoughts on ““الدارونية” الاجتماعية

  1. سندس العبيدي says:

    موضوع رائع جدا
    ما نعانيه اليوم هو من متراكمات الامس واساس الفرق الطبقي والاجتماعي والاخلاقي هي الرأسمالية التي انتجتها الثورة الصناعية فتغيرت الموازيين وصار الانسان رقم يختزل.
    دمتي في تألق ونجاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !