وزعولنا نكت وضحكونا

وزعولنا نكت وضحكونا
1٬577 مشاهدة

أكثر ما أزعج الجنرال “شارل ديغول” رئيس فرنسا سابقًا هو أنّ النكتة السياسية والرسوم الكاريكاتيرية لم تعد تَعِرْهُ أي اهتمام في أواخر فترة حكمه، فقال حينئذٍ بحزن: “لقد تدنّت شعبيتي في فرنسا، فأنا لا أرى نفسي في الرسوم الكاريكاتورية، ولا أسمع إسمي في النكتة التي تنتقدني”.. نكت

ولا بدّ لنا في هذا المقال أيضًا أن نعرّج على ما قاله ابن خلدون في مقدمته العظيمة: “إذا رأيت الناس تُكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أنّ الفقر قد أقبع عليهم، وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يُساق للموت وهو مخمور”. نكت

ومن بعده نقول؛ عند استعصاء “المواجهة” وإيجاد الحلول، تُمسي النكتة هي الحل الوحيد (الآمن) للتفريغ الانفعالي.
وأيّ مسؤول يريد أن يعرف سيكولوجية جمهوره وشعبه عليه برصد النكت في عهده وفترة ولايته، عندئذٍ فقط سيعرف رصيده لدى المواطنين من التشجيع أو التسحيج، وتساعده النكت كذلك من معرفة التوقيت الصحيح للقرارات الهامة أو المصيرية..

نشهد اليوم “ثورة نكت ساخرة” في العالم الافتراضي، وإنّ كثرة تداول النكت وبراعة ابتكارها في الوقت الحالي ما هو إلاّ (ميكانيزم دفاعي) للتعبير عن صراخ الصامتين، وهي محاولة للتنفيس عن المكبوت والمسكوت عنه، وتتسارع وتيرة النكات بشكل ملحوظ خلال الأزمات، فيُطلق العقل العنان لِ اللسان للبوح والتعبير عما يجول في نفس صاحبه (المأزوم) تجنبًا لإصابته بالجلطة القاتلة؛ فيحرّر نفسه من الغضب الداخلي الشديد واللوم المحبوس..

النكتة اليوم هي “صمام التوازن الاجتماعي” في ظلّ هذا الوضع الطاحن؛ فهي المنفس للصراعات الاجتماعية والاقتصادية، كما أنها (البوصلة) التي تتّجه نحو ملامسة حقيقة الأمور، ومكامن الخلل، ومواضع الاختلال، وجرس الإنذار لمواطن الخطر؛ لأنّ وظيفتها الأولى على الإطلاق (تبليغ الرسالة) قبل إضحاك الناس والتنفيس عن معاناتهم، وهي أيضًا (التيرموميتر) لرصد المزاج الشعبي ومعرفة مستوى وعيه، وإدراكه لما يحدث، واستشعاره لخفايا الأمور، وأحيانًا تكون لجسّ نبضه، ومعرفة تطلّعاته والقضايا التي تشغل باله، وهنا على وجه الخصوص تكمن “الظرفية الخلاّقة” للنكتة وتوابعها، فهي صمام الأمن الاجتماعي حاليًا.
ونضيف إلى ذلك أنّ النكتة أحد التعابير (الرمزية) في المخزون الثقافي، وهي مرآة المجتمع، وتكشف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الجوانب الخفيّة في “العقل الجمعي”..

فلا مناص من السماح بالتنفيس الشعبي من خلال النكات في أقلّ تقدير، إن كانت خالية من “الشخصنة” بالطبع، ولا مفرّ من ضرورة تقنينها بقنوات مشروعة ومفتوحة للتعبير عن الرأي والمشاركة في صنع القرار، عدا ذلك سنكون أمام مجتمع يصدّر العنف، أو مجتمع مليء بالمرضى النفسيين وأمراض القلب المنهكة، وكلاهما سيان في السوء، لا فرق.
وفي ظلّ هذا العصر الرقمي والأجهزة الذكية لا يمكن التحكّم في مصدر صناعتها، أو ضبط إيقاعها، ولا حتى إيقاف رواجها وسرعة انتشارها؛ فهي لسان الحال لقهر القهر..

(الإسهال الكتابي) بنكات ساخرة تارة ولاذعة تارة أخرى دون توقف على وسائل التواصل الاجتماعي في هذه الأيام على وجه الخصوص، تنطوي على مضامين وأبعاد اجتماعية سياسية جديرة بالتوقف عندها والتأمل فيها؛ فما أن يحدث أمر ما في الوطن، أو وقعت زلّة لسان من شخص في موقع حساس – بقصد أو بدونه -، أو إعلان تصريح غير مسؤول من مسؤول، أو انفضاح أمر ما، أو تورّط مسؤول بمشكلة معينة، أو صدر عن أحدهم ما يُعتبر نشازًا أو غريبًا، وغير ذلك من الأحداث الكثيرة المتسارعة مؤخرًا، فنجد الألسن الافتراضية انطلقت بكثافة لتناقل النكت، وتعجّ وسائل التواصل الاجتماعي جميعها بآلاف المنشورات بالتنكيت على ما حصل، ويتمّ إعادة مشاركتها دون أدنى تفكير أو تمحيص في فحواها أو حتى صحتها، فتتكرّر على صفحات الجميع صغارًا وكبارًا دون استثناء، ودون اكتراث بما يمكن أن تسبّبه من إيذاء نفسي واجتماعي للشخص المستهدف..

وفي ذات الوقت نتساءل هنا، كيف لنا استهجان هذا السلوك – حتى لو كان هجينًا – وهو السلاح الوحيد المتبقّي بيد من لا حول لهم ولا قوة، والذخيرة غير القاتلة والمقبولة نسبيًا للتعبير عن همومهم ومطالبهم، فهم من خلال النكت الساخرة يعبّرون عن مشاعرهم المكتظّة بالحرمان، والمتخومة بالمعاناة والقلق من ضغوطات الحياة، وغير ذلك من تجليّات الواقع المرّ والزمن الرديء..

والعجيب بالأمر أنّ أغلب النكت لا تمتاز ببريق جمالي لافت للنظر، بل قد تكون سخيفة مرة وقبيحة مرات، ولكن سرعة انتشارها وأهميتها ترتبط بأهمية الحدث أو الشخص المرتبط بها، فهي نتاج فكري يطال كافة شرائح المجتمع، فلا أحد يسلم منها، وتعبّر عما يجول في عقول السواد الأعظم من المجتمع.
وتلك التعبيرات الخيالية الطريفة والمضحكة تثير أحيانًا السخرية، وفي أحيانٍ كثيرة تثير الشفقة لما تسعى إليه من مبالغة وتهويل، أو مراوغة وتشهير، وفي بعض الحالات تكون تبسيط وتسطيح للأمور الهامّة لا بل تسخيفها لدرجة يفقد الحدث أهميته. وهذه (السخرية السوداء) قد تشكّل سلاحًا فتاكًا؛ لأنها قد تذبح دون أن تجرح، لذلك يخشاها الكثير من المسؤولين سيّما التي تطالهم شخصيًا..

كيف لا يلجأ المواطنون المطحونون حاليًا إلى آليات الهزل والضحك للتنفيس والتعبير عن الأفكار والأحاسيس المحرّمة والمكبوتة ؟؟ وهل هناك آلية أخرى مباحة؟؟ دعونا نتأمل في دوافع تلك الآليات قبل أن نحاسبهم عليها ونجرّمهم إلكترونيًا !!
أليس القهر والتفاوت الاجتماعي والطبقي، والقمع المادي والمعنوي المسلّط على حريات الرأي والتعبير تقود إلى عواقب أكثر من ذلك؟؟ وكلما زاد تكميم الأفواه كلما دفع نحو ابتكار أساليب جديدة في التعبير يغلب عليها الإغراق في “الرمزية” لجعل الرسالة في متناول المواطن بطريقة مليئة (بالتحايل) للإفلات من العقاب.

وجميعنا يعلم أنّ النكت بشكل عام واللاذعة منها على وجه الخصوص بإمكانها توجيه الوعي وتغييره، وربما أثرها في العالم الافتراضي قد فاق أثر ما يقوم به المثقفون في العالم الواقعي في تشكيل (رأي عام)، ويعود السبب في ذلك أنّ وسائل التواصل الاجتماعي كبيرة الأثر وسريعة الانتشار وكثيرة المشاركة لإحداث (التعبئة المعنوية) للضغط نحو التغيير المنشود؛ فأول أهدافها التعبير بالرفض غير المباشر للنهج، وليس آخرها التنفيس للتخلص من الإحباط، وفي ذات الوقت تساهم النكت الافتراضية الساخرة في تسهيل عملية الانسحاب من (وجع) الواقع الحقيقي المُستباح إلى (فرح) الواقع الافتراضي المُباح، خاصة في الفيس بوك ثم إخوانه وأخواته.

جميلٌ أن نضحك اليوم لا بل الضحك بات ضرورة ملحّة؛ لأنّ في ذلك تنفيس وترويح عما نواجهه في هذه الحياة حاليًا من قلق الوجود، وخطر الحدود، وإحباط الموجود، ولكن الأجمل أن نضحك مع أنفسنا لا عليها. فالاستغراق في البوح بنكت من باب السعادة والحبّ (ترفًا) لا نعرفه نحن العرب إلاّ لمامًا .. نكت

وفي الختام أقول؛ وكأنما الحياة رغم فواجعها الكثيرة جدًا، تبقى نكتة هائلة وربما أكثر، ولا تستحقّ منا بعد العناء والبكاء إلاّ النكت والضحك؛ فالأخير لا يأتي إلاّ من كثرة المتاهات، وكأنما أيضًا سيبقى لنا من هذا الحديث بقية… دمتم… نكت

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !