المشيب ذخرنا

المشيب ذخرنا
555 مشاهدة

قال الفيلسوف والشاعر “رالف والدو إمرسون” (إننا لا نحصي عمر الرجل إلاّ إذا لم يكن لديه شيء آخر يحصيه). ونضيف عمر المرأة هنا بجانب عمر الرجل كذلك.. 

الصبر، والعطف، والرحمة، والحبّ، والصدق والتواضع، والنيّة الحسنة، والمتعة، والسعادة، والحكمة، والسلام والانسجام هي مزايا لا تكبر ولا تشيخ أبدًا، وإذا تمسّك الشخص بهذه السمات طوال حياته سيبقى شابًّا في ذهنه وجسمه للأبد؛ لأنّ الإرهاق والتقدّم بالسنّ ليس لهما أيّ تأثير سلبي على قوّة الإنسان وكفاءته من الناحية الروحيّة.

وليس الزمن الذي يسبّب تأثير الشيخوخة الضارّ على عقولنا وأجسادنا، وإنما “الخوف المرضي” من آثار الزمن هو سبب الشيخوخة المبكّرة، فالمرض يكمن في الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة، وإنّ الكبر في السنّ ليس ضياع سنوات العمر؛ وإنما هو (فجر الحكمة) والذخر الحقيقي للأمّة هو المشيب الناجم عن التقدّم بالعمر، وإنّ الوصول إلى سنّ الخامسة والستين أو الخامسة والسبعين وحتى الخامسة والثمانين ليس مرادفًا لانتهاء الحياة كما يظنّ كثيرٌ من الناس، وقد تكون هذه السنّ بداية لحياة عظيمة ومثمرة ونشيطة ومنتجة أكثر من السابق لمن يُجيد الاستمتاع بالحياة، ولمن يُتقن إضافة الحياة لسنين العمر، فأرواحنا لا يجب أن تشيخ؛ لأنّ الحياة نفسها لا تشيخ، فهي تجدّد نفسها ولا تفنى إلاّ بإذن الله، كما أنّ شخصيّاتنا وبراعة عقولنا وإيماننا ومعتقداتنا ليست عرضة للهلاك..

وعليه، لا تفوّت على نفسك أيّة فرصة لمجرّد الظنّ أنها لا تناسب عمرك؛ لأنّ الفرص في عدّاد العمر محدودة، كما أنّ هذا التوجّه لا يؤدّي لشيء سوى إلى التبلّد والموت العقلي. وهناك بعض الأشخاص يشيخون وهم في الثلاثين من العمر، وبالمقابل هناك من يتمتّع بروح الشباب وهم في الثمانين. فالكاتب العظيم “جورج برنارد شو” ظلّ يعمل بنشاط حتى سنّ التسعين، ولم تفتر حماسته ولا براعته ولم تضعف أعماله مقارنة بسنوات عمره الأصغر..

للأسف الشديد هناك من أصحاب الأعمال من يوصدون الباب في وجه من هم فوق الأربعين، ولو أنّ هؤلاء فكّروا في الأمر مليًّا، لوجدوا أنهم يوصدون الباب أمام الحكمة والخبرة والتجارب الثريّة على مدار سنوات العمر لا أمام التقدّم في السنّ، فالشعر الرمادي غالبًا ما يكون غزيرًا بالنضج العاطفي والروحي، وهو ذخرًا ورصيدًا مثمرًا لأيّ مؤسّسة.

سلوك بحاجة إلى مراجعة ووقفة تأمّل!!

لذلك، لا يجب علينا تهميش من تخطّوا الخامسة والستين؛ لأنها السنّ التي نتمكّن أن نحصل منهم على أكبر قدر من الحكمة والخبرة في حلّ المشكلات، والتخطيط للمستقبل، وصنع القرارات، وإرشاد الأصغر سنًّا وتزويدهم بالأفكار الخلاّقة المبنيّة على خبرتهم وبصيرتهم النافذة حسب اختصاصهم..

إنّ اتباع الحميات وتناول الفيتامينات أو العقاقير وعمليات التجميل لن تساعدكم على استرجاع شبابكم، وإنما (تفكيركم) فقط هو ما يؤدّي إلى شيخوختكم قبل أوانكم، أو يُبقيكم شبابًا مهما تقدّم بكم العمر. فكلّ ما ذُكر هي عوامل مساعدة لا أكثر، أمّا الأصل فهو طريقة تفكيركم نحو النُّبل والخير ودماثة الأخلاق، وهي ما يُبقي أرواحكم شابّة للأبد مهما بلغ بكم المشيب وتقدّمت سنوات عمركم، وأنتم تشيخون عندما تفقدون اهتمامكم بالحياة، وعندما تتوقّفون عن الأحلام، وتفقدون الشغف بالبحث عن الحقائق والمعلومات الجديدة في كلّ مجالات الحياة، هذه هي البصيرة التي يحتاجها من هم أصغر منكم عمرًا..

فالعقل لا يتقاعد أبدًا، وبدلًا من القول (أنا عجوز)، قلْ (أنا حكيم وأتمتّع بحِكَم الحياة)، وأريد أن أمنح ذخر حكمتي وثمار جهدي لمن يحتاجها، والسنّ الكبيرة لها جلالها وجمالها، فكونوا في خدمة المجتمع لا أسرى لمجتمع يحكم عليكم بالكسل والتقاعد بسبب سنّكم، لربما تضعف أجسادكم وتتباطأ حركتكم، وهنا تحين الفرصة لعقولكم للتأمّل بكل شيء وبكل ما هو مقدّس، فعقيدتكم ومعتقداتكم ليست عُرضة للذبول أو الموت، فأنتم شبابًا بقدر ما ترونَ أنفسكم كذلك..

فلا تقبلوا بالموت وأنتم على قيد الحياة، ولا تدعوا المؤسّسات والإعلام يهبّطون عزائمكم من خلال الصورة التي يقدمونكم بها عن الشيخوخة وقرب الأجل والضعف والوهن والعجز. 

أحبّوا الحياة ولا تنتظروا الموت، وتذكّروا أنّ الفيلسوف اليوناني “سقراط” تعلّم العزف على الآلات الموسيقية وهو في سنّ الثمانين، كما أنّ الرسام “مايكل أنجلو” رسم أعظم لوحاته وهو في سنّ الثمانين أيضًا، و كان “إسحق نيوتن” يمارس عمله بجدّ وهو في سنّ الخمسة وثمانين، والقائمة تطول وتطول للكثير من الفلاسفة والفنّانين والعلماء والكتّاب والعظام وغيرهم ممّن حقّقوا إنجازاتهم بعد سنّ الثمانين. 

لذلك، والأهم، تذكّروا دومًا أنّ عقولكم لا تشيخ ولا تهرم، فالشيخوخة والتقدّم بالسنّ لا تعني ضياع سنوات العمر، ولكنها “فجر الحكمة” في عقول البشر، والمشيب هو ذخرنا الحقيقي..

سرّ الشباب الدائم هو المحبّة والسعادة والسلام الداخلي، ومنتهى السعادة هو حبّ الله حيث لا يوجد ظلامٌ أبدًا، كيف لا ونحن أطفال الحياة الأبدية، وورثة الخلود….وحتى تحين الساعة، حتمًا ودومًا سيكون لنا من هذا الحديث حصّة أخرى وبقيّة…. دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “المشيب ذخرنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Don`t copy text!