اللُّبس بين النظام الأبوي والنظام الذكوري

اللُّبس بين النظام الأبوي والنظام الذكوري
447 مشاهدة

الخلط المفاهيمي بين النظام “الباترياركي” أو الأبوي وبين النظام الذكوري، الذي قسم الشارع والمثقفون كذلك بين مؤيّد ومعارض لثورة الفتيات والنساء وبعض الذكور الداعمين ضدّ قتل المرأة احتماءً بمظلّة (الشرف) وادّعاء جلبها للعار، أجبرني على كتابة هذا المقال لتوضيح الفرق بين النظامين، على الرغم أنهما من حيث النتيجة لوجودهما على أرض الواقع تقريبًا متشابهة..

النظام الأبوي حلّ محلّ النظام “الأموي” الذي كان سائدًا في بدايات اكتشاف الإنسان للطبيعة وخيراتها وأسرارها، حيث كانت المرأة هي الأصل ومحلّ التبجيل والقداسة، وهذا كان قبل اكتشاف الرجل للمعادن ولخيرات الطبيعة، فحصل هنا ما أسماه “كارل ماركس” بالانقلاب التاريخي الكبير على النظام الأموي، الذي حصر المرأة في الإنتاج داخل المنزل وأعطى فرصة للرجل للانطلاق خارج حدود المنزل، الأمر الذي فسح له المجال بالتملّك وتراكم رأس المال لديه، وكان آنذاك على شكل ملكية الحيوانات والمعادن وما شابهها، مما مكّن الرجل من امتلاك الأرض ومن عليها.
وأصبحت المرأة من ضمن ممتلكاته الخاصة أيضًا، ومن هنا نشأ “النظام الباترياركي” أو الأبوي الذي يعطي الأب أو سيد الأسرة حقّ الحكم والتملّك في كل ما يتعلق ممن هم من نسله أو من العاملين لديه، وبعد ذلك ظهر النظام الإقطاعي ثم الرأسمالي مما ثبّت أركان هذا النظام الذي كان ظالمًا للجنسين معًا لا للمرأة فحسب، ولكن المرأة كان وما زال يقع عليها عبئين في ظلّ النظام الأبوي الرأسمالي، داخل البيت وخارجه..

أما (النظام الذكوري) فيعني حصرية التفكير والقرار بطريقة ذكورية أحادية، وبما يلائم الذكر وفكره واحتياجاته وإملاءاته فقط، متجاهلاً وجود نوع ثاني في المجتمع أيّ (المرأة) لها طريقة تفكير مختلفة، ويترتّب على ذلك حقوق واحتياجات مختلفة أيضًا، والظلم الذي خصّ المرأة وحدها من النظام الذكوري قادها إلى رفضه ومحاربته حدّ التطرّف أحيانًا؛ بسبب طول المدة لظلمها واستلاب حقوقها وشعورها بالاغتراب عن عقلها وجسدها وصحتها وبيتها وأولادها وكل ما يتعلق بها، فأمست مثل الآلة تمامًا كما عامل النظام الأبوي الرأسمالي الرجل، فشعر هو أيضًا بالاغتراب عن موارده وإنتاجه..

النظام الذكوري هو وليد النظام الأبوي، ولا يمكننا المطالبة بالقضاء عليه ومحاربته باعتباره العدو بقدر ما يجب علينا إعلاء قيمة (النظام الأنثوي) من حيث الوجود أولاً ثم الفكر المختلف وما يترتب عليه من احتياجات وميول وأدوار مختلفة..

وهنا مفهوم الجندر (الصحيح) لا المشوّه يحدّد تلك الأدوار بناءً على البيولوجيا والثقافة معًا، دون إنكار أو تجاهل أهمية أيّ منهما، وذلك حسب التعريف الثقافي السائد الذي يلائم الجنسان بشكل عادل دون انتقاص لحقوق أيّ منهما..

لذلك، المطالبة بالعدالة هي أجدى من المطالبة بالمساواة؛ لأنّ المساواة تظلم الجنسين بسبب افتراضها أنّ كليهما متشابهان، في حين تقرّ العدالة باختلافهما وبالتالي لا يسود جنس على آخر ولا يكون هناك أفضلية لأيّ منهما على الآخر، وهي تحقّق المساواة بشكل غير مباشر، وهي مساواة بحدّ ذاتها..

العدالة تحقّق مبدأيّ (التكامل والتكميل) بين الجنسين في المجتمع، وهذا ما يحتاجه الجميع للاستقرار، كحاجة المجتمع للجنسين بالدرجة نفسها، فالمجتمع لا يقوم على نوع واحد وإنما على نوعين، كيف لا وتلك هي سنّة الكون.. 
أتمنى أن أكون قد أزلت اللُّبس بهذا السرد السريع..

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Don`t copy text!