شمّاعة الفساد

شمّاعة الفساد
402 مشاهدة

كثيرون هم من يكتفون بلعن الحياة، وجلد ذواتهم ومجتمعهم، والاكتفاء بالتركيز على المعاني السلبية على الرغم من وجود صور إيجابية كثيرة لمن يعيها بالطبع، ولكن ما يحدث اليوم أنّ الفساد – ولا ننكر وجوده إطلاقًا – أصبح الشمّاعة التي يُعلّق عليها كثيرٌ من الناس التقاعس واللاّفعل؛ ويعود السبب ببساطة شديدة إلى عصر (الشورتكاتس) أي عصر الاختصارات، والرغبة في الشهرة السريعة، والغنى السريع، ورغبة الوصول إلى المنصب بعجالة دون تاريخ متدرّج لاستحقاقه. وهذا الوضع لا يعود لوجود الفساد لوحده فقط؛ وإنما هو (مبدأ الضعفاء) لا أكثر، فالفساد موجود عبر العصور، وسلوك قميء مرافق للطبيعة البشرية، ولا يجب علينا الاستسلام له والركون لوجوده..

لكلّ مجتمع طرقه الخاصة في ابتكار شكل الفساد ونوعيته بما يحقّق مصالحه، والفساد يتناسب بمستواه بشكل عكسي مع مستوى التقدّم الحضاري والأخلاقي لأيّ مجتمع. 

فالواسطة والرشوة والمحسوبية وغيرها من المصطلحات يجمعها لفظ واحد ألا وهو الفساد، وإنّ الخلوّ التامّ لهذه المعاني في أيّ مجتمع تعني الحديث عن مجتمع “مثالي” أفلاطوني، أو عن مدينة فاضلة، وتلك مصطلحات خرافية (نظرية) غير قابلة للتحقيق أو حتى الوجود على أرض الواقع.

الواسطة على سبيل المثال لا الحصر، هي إحدى مخرجات الفساد، ومن المفروض أن تكون “مذمومة” من العموم، وخاصة من المتضرّرين أو من غير المستفيدين، وفي الوقت ذاته قد تكون “محمودة” أو مُتغاضى عنها في أقلّ تقدير من قِبل المستفيدين أو من لديهم احتمالية الاستفادة..

وعليه، فإنّ أهمية استقرار قواعد المجتمع المدني والمطالبة الحثيثة به في المجتمع الحالي تأتي من مُعطى (سيادة القانون) المُميّز للمدنيّة السليمة لا المجتزأة؛ لأنّ القانون يعطي القواعد التي تُثبّت معاني العدالة، وعدم التمييز، وتعزيز مبدأ الكفاءة، أو على الأقلّ فإنّ من واجب سيادة القانون الرئيس هو تعميق مبدأ الشفافية وزيادتها، وتعزيز التوقعات السليمة لا العقيمة..

وبذلك، يستطيع أيّ منّا إدراك القواعد القانونية العادلة التي تُؤمّن له القبول في الجامعة مثلاً، أو الالتحاق بوظيفة، أو السير بمعاملة، أو حتى ضمان الحصول على الحقوق أمام القضاء دون اضطّرار اللجوء إلى أصحاب النفوذ، أو إلى حكم العشائرية، خوفًا من تغوّل أصحاب النفوذ من الطرف الآخر لسلب الحقوق وقلب الموازين لصالح الطرف الأقوى لا لصالح صاحب الحقّ..

الواجب الوطني يدعونا لا بل يُلزمنا إلى التعامل مع الواقع وإن كان قاسيًا، والعمل على تغييره بالأساليب المدنية والحضارية لا البدائية أو التخريبيّة، وهذا لا يعني الصمت أو الاستسلام والسلبية، بل يعني المبادرة والمواجهة السليمة وكشف الأخطاء باستمرار وعدم التستّر، ليس فقط في حال تضارب ذلك مع المصالح الشخصية؛ وإنما إن اعتدت على المصالح العامة وأمن الوطن واستقراره، بمعنى آخر تغليب المصلحة الوطنية والشعبية على المصالح الخاصة والضيّقة، هذه هي المدنيّة الحقّة لا بل تلك أبسط قواعد الأخلاق الإنسانية..

الفكرة المغلوطة السائدة حاليًا خاصة بين الشباب والشابات بناة الغد ورجال ونساء المستقبل، هي إيقاع اللّوم على الظروف الخارجية لتبرير عدم النجاح أو سوء الحظ أو الفشل أو حتى التقاعس. ومن بديهيّات الفكر الإنساني السليم أنّ (الفشل) لا يمكن تبريره بالظروف الخارجية المحيطة كوجود الواسطة والرشوة والمحسوبية، وذلك لأنّ دلالة الإنسان السويّ عقليًا ونفسيًا والناجح اجتماعيًا هو قدرته على الاستمرار والثبات والتأقلم مع مختلف الظروف، بل إنّ الذكاء الإنساني نفسه يكمن في القدرة على تطويع المعطيات والظروف لخدمة نفسه وأخيه الإنسان والبشرية جمعاء..

وأخيرًا نقول أنّ الركون إلى مبدأ “العالم سيّء”، والبلد فاسد، والظروف صعبة هو مبدأ (الضعفاء) الذين لا يمتلكون الوسائل والأدوات الكافية للنجاح، ولا يملكون الحدّ الأدنى من الدافعيّة النفسية التي تؤهّلهم للتقدم والتغيير نحو الأفضل.

وكما نولد محظوظين أو غير محظوظين من حيث المستوى العائلي أو المادّي وظروف المعيشة، يولد في المقابل آخرون بظروف خاصة تدعمهم كالواسطة ومترافقات الفساد الأخرى.. 

ونحن وإن اكتفينا بلعن الحياة دون العمل على تغييرها للأفضل والاستمرار بها بسعادة، فإننا حتمًا لن ننجح، وربما نشيخ مبكرًا، وسيتملّكنا شعور العجز فنموت همًّا وحسرة..

ولكلّ مجتهد نصيب سواءً بواسطة أو بغيرها، كما لا يمكن أن يضيع حقًّا وراءه مُطالب..

دائمًا وأبدًا في السلوك الإنساني وصحّته النفسية والاجتماعية يكون لنا حديث آخر وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !