قلوبهم متبلّدة كالحجارة

قلوبهم متبلدة كالحجارة
330 مشاهدة

تعني كلمة “التبلّد” في اللغة؛ الجمود وركود الذهن، كما تعني أيضًا ثقل الفهم وضعف الذكاء. 

أمّا في علم النفس الاجتماعي فإنّ تبلّد المشاعر والأحاسيس وما يسمّى أيضًا بِ (الخدر العاطفي) هو حالة تجعل المُصاب بها غير قادر على التفاعل العاطفي مع أحداث حياته؛ لأنه ببساطة لا يشعر بها ومعها، فيكون فاقد لأيّ إحساس يجعله يُظهر الفرح أو الحزن وغير ذلك من المشاعر أمام المواقف التي يمرّ بها مهما بلغت قساوتها؛ لأنّ استجابته العاطفية تكون ضعيفة للغاية، وهذه الحالة إن تمّ إهمالها وبقيت دون علاج فقد تتطور نحو الاكتئاب واليأس وربما العزلة، فلا غرابة إذًا من ازدياد الاكتئاب الشعبي والنخبوي حاليًا والأغلبية مُصابة بالتبلّد العاطفي المرضي..

من الضروري هنا أن نميّز بين حالة التبلّد العاطفي وبين (اللاّمبالاة)، فالأخيرة تشي بعدم وجود العاطفة من الأساس، أما التبلّد العاطفي فتكون العاطفة موجودة ولكن قدرة التعبير عنها هي التي تكون مفقودة..

المشهد العربي الموحش الحالي، والمشاهد الدرامية المتكررة على مرآنا ومسامعنا بشكل شبه يومي، خلق في وجدان الجمهور حالة من (التبلّد العاطفي)، وربما إلى الحدّ الذي زالت معه “الحساسية الإنسانية” الاعتيادية أمام الأزمات والمناظر غير الاعتيادية، فأمسى روتين “الإهانة والإذعان” وحتى القتل مثل روتين الطعام والشراب وحتى الهواء، فلم تعد المشاهد القبيحة هي الاستثناء إطلاقًا، بل غدت هي الأصل، وأمسى عدم حدوثها في خضمّ يوم واحد فقط هو المُستهجن، فاعتاد المواطنون العرب على صفعات يومية، وعلى أحداث متوالية تضع كرامتهم تحت الأرض، يعني بالعاميّة اعتادوا على “المرمغة” لكرامتهم..

وشتّان بين عاطفة التبلّد “المرضية”، وبين عاطفة التبلّد “الاستراتيجية”، فالأولى اختيارية والثانية إجبارية، والأولى كذلك دائمة في حين أنّ الثانية مؤقتة وتأتي بقرار واعٍ.

فحالة التبلّد العاطفي المرضية تحمل الإنسان على عدم الفعل، والاستسلام والركون إلى ما تأتي به الرياح والأقدار.

أما الحالة الثانية من تبلّد العاطفة الاستراتيجي فإنها ميكانيزم دفاعي يلجأ لها الشخص بقرار ليدفع عنه الانهيار النفسي ولو بشكل مؤقت، وذلك من خلال إحداث تثبيت عاطفي بسبب وجود التبلّد والتجمّد العاطفي العام، وتُعتبر مقدمات لالتقاط الأنفاس لحين البحث عن حلول، ومراقبة المعطيات والظروف ليتمكّن من الإعداد المناسب بعد امتلاك جميع عناصر (البصيرة)، وهذه مرحلة تمهيدية تقوده نحو (الفعل) والوقوف بثبات للسير نحو الفعل وهجر “اللاّفعل”، وكما ترون فإنّ الفارق بينهما كبير جدًا..

ولكن ما يُثير الرعب في نفوس المشاهدين والمراقبين، عندما يتسرّب التبلّد العاطفي المرضي نحو عقول المثقفين، والنخبة، وقادة الرأي، والمؤثرين اجتماعيًا وسياسيًا في عقول العرب؛ لأنّ ذلك سيقود في أحسن الظروف إلى الركون تاريخيًا واجتماعيًا والإصابة بحالة (الإنتلجنسيا)، بدلًا من اعتبار تلك الفئة بمثابة الشرارة، والإيمان من جديد بصلاحيتهم وكفاءتهم، والبُعد عن اليأس من أجل إشعال مِقوَد التغيير والإصلاح والنهوض في المجتمع وقواه الحيّة، أمّا أسوأها فهو ما نحن عليه الآن وما آل إليه حالنا..

ولا يسعني هنا أن أختم إلاّ بكلام الله تعالى عندما قال في كتابه الكريم “ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة”، “وما الله بغافلٍ عمّا تعملون”.. صدق الله العظيم…

طالما أنّ الأغلبية إن لم يكن الجميع مصابون بحالة رديئة من ((التبلّد العاطفي)) المرضي الاختياري لا الاستراتيجي الإجباري، يُجبرنا تخصّصنا أن يكون لنا من هذا الحديث حصّة أخرى وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
لا يمكن النسخ!