لذلك يفشل الزواج

لذلك يفشل الزواج
360 مشاهدة

الزواج رابطة مقدّسة، لا يحقّ لأحد الولوج بها دون إدراك قدسيتها ودون وجود (جاهزية) عالية لتحمّل المسؤولية لدى الطرفين، كما لا يحقّ لأحد الأطراف كذلك فكّها وإنهائها دون اتفاق “حضاري” بين الطرفين، ودون وجود الحدّ الأدنى من الرضا بعدم جدوى استمرار تلك الرابطة بقناعة الطرفين معًا لا طرف واحد فقط، فمؤسسة الزواج ليست مثل لعبة (بيت بيوت) ندخلها ونخرج منها بسهولة وكأنّ شيئًا لم يكن، فهي مؤسسة جميلة جدًا لمن يعي أهميتها ويتعلّم كيف يستثمر بها ويجني السعادة مع الشريك خلالها..

أكبر عدوّ لمؤسسة الزواج هو (عدم الوعي) بها قبل الارتباط، وسيادة (الروتنة) خلالها، فذلك يؤذّن بخرابها دون أدنى شكّ؛ لأنها مؤسسة قابلة للروتنة والجمود، وتحتاج لتعاون الشريكين معًا بعناية فائقة لكسر جمودها ولمنع تسلّل الروتين إليها.
وهذان السببان ما يساهم بشدّة  في تكرار الأنماط غير المتغيّرة في الأداء، وفي قلب هذه المؤسسة “الحيوية” إلى منظومة جامدة وباردة ومحفوفة بمخاطر الهروب أو الفشل، وأعني بِ “روتينية الأداء” هنا بالأداء اللفظي أو المعيشي أو العاطفي أو الجنسي المتكرّر على ذات الوتيرة، بمعنى آخر كل سلوك يصدر من الطرفين بشكل متوقع حرفيًا..

الزواج يمثّل حالة من (الالتزام)، ويجسّد القدرة على تحمّل المسؤولية لمن تربّى عليها منذ الصغر، وهذا الالتزام قد يكون ثقيل نسبيًا على السيكولوجية الإنسانية؛ لأنه يحتّم على الزوجين توفير متطلبات تضمن استمرار الأسرة، سواء من حيث الاحتياجات المالية، أو الوقت والجهد، و”التفرّغ”، وذلك بتغيير نمط الحياة الذي كان سائدًا قبل الولوج بها من قبل الطرفين على حدّ سواء، وبالطبع هذا يحتاج وقت للتطبّع بالنمط الجديد، كما أنّ حالة (الاعتياد) على نمط الحياة المستجدّ تحتاج من الوقت والصبر ما يكفي لاحتواء كل طرف للآخر حتى تثبُت عملية التطبيع لكلا الطرفين على بعضهما، وتقبّل التغيير الشخصي والحياتي المصاحب لمؤسسة الزواج.

والمشكلة في نقطة “الالتزام” للحياة الزوجية تكمن بأنها لا يتمّ تعزيزها بالحوافز الإنسانية المناسبة من قبل الشريكين، حيث يأخذ كل من الطرفين الآخر بِ(المضمون)، وهنا مكمن المشكلة، فلا أحد يمكنه أخذ الآخر بالضمان دون استثمار وتحفيز مستمر لا مرحلي أو وقتي فقط، لذلك تبهُت “جذوة الانجذاب” العاطفي والجسدي اتجاه الآخر وتخبو تدريجيًا، فيسقط الشريك – من وجهة نظر الآخر – من سلّم الأولويات الأولى، ويقلّ الاهتمام، ويبدأ مسلسل الخذلان يدور في عقل كل منهما، مما يولد حالة من الإحباط والغيظ وعدم الارتياح وربما الحقد وظلم الآخر، وهذه المشاعر السلبية تعتبر مقدمات لولادة الملل والروتين في مؤسسة الزواج، وقد تكون ممهّدات أيضًا لتفاقم المشاكل الزوجية، وهنا قد يحدث ما لا يُحمد عقباه، وتبدأ حلقات الطلاق المتسلسلة على التوالي بينهما التي تبدأ بالطلاق العاطفي، ثم الفكري، ثم الجسدي، ثم المكاني، حتى تصل لمرحلة الطلاق النهائي..

ومن مسبّبات فشل العلاقة الزوجية الرئيسة قبل الالتزام، هو لجوء الطرفين إلى لبس “الأقنعة المزيّفة” خلال فترة التعارف، حيث يميل كل منهما إلى إظهار الذات والحديث عنها بشكل مُغالٍ في المثالية، وهذا التجمّل (المؤقت) يسقط سريعًا فورَ وجود الزوجين تحت سقف واحد، فينكشف كل منهما للآخر ويظهر على حقيقته الأصلية، وهذا هو مصدر بروز حالة النفور من الآخر لاحقًا؛ بسبب التفاجؤ السلبي لطبيعة الشريك.
وإن كان كل منهما معنيًا في إنجاح العلاقة، من المفروض إعطاء الوقت الكافي لتقبّل الآخر كما هو لا “تحمّله” فقط، ومن الممكن كذلك (تقبّل) الأقنعة الأولى التي لبسها أحدهما أو كليهما أمام الآخر في بداية العلاقة وتجاوزها، إن – وإن هنا كبيرة جدًا – كانت لا تمسّ بجوهر العلاقة ومبادىء الحياة الزوجية، وعدا ذلك سيتولّد الملل والروتين على المدى البعيد، والأسوأ من ذلك على الإطلاق ولادة “المعايرة”، واتهام كل طرف للآخر بالكذب، والتشكيك في كل شيء، فيبدأ الاحترام بينهما بالتلاشي تدريجيًا، ويرى الطرف المغبون الآخر (قزمًا) بأخلاقه وتتبخّر الثقة تدريجيًا..

ومن الأخطاء التي يقع بها الأزواج أيضًا، هو النظر إلى الاقتران بالآخر وكأنها نهاية المطاف وأقصى الآمال والطموحات، متغافلين أنها مجرّد البداية لمرحلة جديدة تتطلّب منهما تغييرًا يليق بها، وللأسف الشديد هذه النظرة للزواج هي السائدة لدى كثير من الناس، غير مدركين أنّ الوضع المثالي لمؤسسة الزواج اعتباره حالة من الاستقرار النفسي، وحالة من النموّ والتقدم وليس جمود أو نكوص، وتعتبر هذه المؤسسة أيضًا بداية الطريق لكلا الطرفين لبناء (عيلة) لا بناء (بيت) فقط.
والنظرة السلبية للزواج ما تمنع التمتّع به ورؤيته بأنه “الملاذ” الآمن لتحقيق الاستقرار الوجداني والاجتماعي، والذي يساهم بدوره في زيادة كفاءتهم الوظيفية وتجديد طاقتهم لا استنزافها أو تسميمها بالهموم..

العلاقة الزوجية المستقرة تخلق حالة من (الثراء النفسي) وليس حالة “الفقر النفسي” الذي نراه حاليًا متفشّيًا بين الأزواج، وفي هذا الوضع على وجه الخصوص يستشعر الطرفان أنّ الزواج يشدّهم نحو الخلف بدلاً من دفعهم نحو الأمام، فتسكن لديهما أو عند أحد منهما فكرة عدم الجدوى من الاستمرار، أو ربما الهروب، وهنا يبدأ الخراب، وتبدأ الأشياء الجميلة بالموت على خطى ثابتة، تلك التي لو تمّ تداركها منذ البداية لم تتهدّم البيوت.
وعندما تكتنف أيّ منهما أو كليهما مثل هذه الحالة، فإنّها كفيلة بتدمير المؤسسة، أو البحث عن بديل، وربما (الطبطبة) والاستمرار التأقلمي غير المريح وغير السعيد، وذلك للحفاظ على الصورة الخارجية حتى وإن كانت ألوانها باهتة، وقد لا يقتصر هذا الوضع المزري على  الإساءة للشريكين فقط، وإنما قد يمتدّ للأسرة بأكملها ويشمل عوائلهما أيضًا، ولعلّ الواقع خير شاهد..

عندما يغيب (التناغم المعرفي) والاجتماعي تصبح إمكانية دخول الملل بين الأزواج أعلى بكثير، وهذا ما يقود إلى الفشل؛ لأنّ أسس الاختيار لشريك الحياة لا تأخذ بعين الاعتبار ما تحتاجه المؤسسة بالفعل، فلا تتعدّى طريقة الاختيار سوى الأمور الشكلية فقط، تلك القائمة على الانجذاب السريع للشكل أو البريستيج أو المال، مهملين أهمية التركيز على المواصفات الشخصية والعقلية للآخر، وأنّ ذلك فقط ما يدوم وما تحتاجه المؤسسة فعليًا بعد الشبع من موجة الانجذاب الطارئة، وبعد ذوبان حالة الانبهار من المواصفات الشكلية مع الوقت، فلا يجد الزوجان عوامل أخرى للاتّكاء عليها التي تكفل استمرار المؤسسة بشكل “حيوي” دون ملل.
ويجب أن ننوّه هنا أيضًا أنّ إهمال التوافق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للشريكين يساهم بشكل كبير في صنع الفجوة بينهما وذبول العلاقة وتسلّل (الندم) لها..

ومن الأسباب الأخرى الهامة التي تقود لفشل العلاقة الزوجية، وجود السقف العالي من (التوقعات) غير المنطقية من الزواج ومن الشريك، سواء كانت توقعات عاطفية أو روحانية أو مالية أو معيشية، وفي حال سقوط مثل تلك التوقعات وثبات فشلها، تسيطر خيبة الأمل على الجوّ العام بينهما، وترسّب كذلك الكثير من الملل والخذلان وعدم الاستمتاع في أيّ شيء يقدمه الآخر بسيطًا كان أم عظيمًا..

وفي إطار التوقعات أيضًا تخلق معها حالة من “الاعتمادية” المفرطة على الشريك، فلا يكون توزيع الأدوار عادل بينهما، ويتحمّل أحد الطرفين المسؤولية كاملة ويركن على الآخر في إدارة الحياة الزوجية دون مساعدة، وهذا عبء لا يصمد على تحمّله من يقوم به كل الوقت؛ لأنّ غياب المشاركة والافتقار لوجود الاعتماد المتبادل بينهما في توزيع المسؤوليات ومتطلبات الحياة بعدالة، يدخل الشريكين في طور من الانطفاء والذبول، ويفقدهم الرغبة في الاستمرار، وخصوصًا إن غاب (التقدير) للطرف الذي يقدّم ويتنازل لدوام الحب والودّ ولضمان مسيرة الحياة بينهما بهدوء، فهنا يثور الطرف غير المقدّرة أفعاله، ويبدأ يفكر بالانسحاب أو إنهاء العلاقة..

وأخيرًا لا يسعني إلاّ أن أنهي بكلمات الله تعالى الذي ذكر أسس الزواج الناجح في كتابه الكريم قبل النظريات والكتب العلمية عندما قال (وَمِنْ آياته أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً ورحمة، إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ). صدق الله العظيم

يطول الحديث عن مؤسسة الزواج وأسباب نجاحها أو فشلها، لعلّ ما ورد أعلاه يلخّص أهم النقاط، لذلك دائمًا وأبدًا سيبقى لنا من هذا الحديث بقايا كثيرة… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات الاجتماعية والتدريب

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
لا يمكن النسخ!