وهناك مدارس وربما جامعات أخرى

1٬881 مشاهدة

لفتت نظري الحوارات المكثّفة وشديدة اللهجة على كافة وسائط السوشال ميديا التي شغلت الشارع الأردني في اليومين السابقين حول مسلسل “مدرسة الروابي للإناث” بحجة أنّ المسلسل لا يعكس ما يحدث في المجتمع، وأنّ المسلسل أهان المجتمع الأردني، الأمر الذي شدّني لحضور المسلسل كاملاً لأرى مضامينه وأرى أسباب وجهات النظر المختلفة حوله، لذلك سأقدم هنا في هذا المقال تحليل نفسي اجتماعي للقضايا الهامة جدًا التي طُرحت في المسلسل..

في البداية أنوّه أنني لاحظت أنّ أغلب من هاجموا المسلسل كانوا يبدأون بجملة “لم أحضره” وهذا يدل على أنهم تناقلوا الآراء دون موضوعية لا في الطرح ولا في الانتقاد ولا حتى في التحليل، وهذه من العادات السيئة التي طرحها المسلسل بنقل الشائعات وترويجها دون تدقيق أو تمحيص أو غربلة، وظهر ذلك في المشاهد التي اتهمت فيها البطلة (ليانا) زورًا وبهتانًا بطلة المسلسل الرئيسة (ميريام) مرتين في المسلسل، وانتشرت الشائعة في المدرسة كالنار في الهشيم دون التأكد من صحتها لدرجة أنّ صديقتها المقرّبة لها جدًا صدقت الشائعات وتخلّت عن صديقتها، رغم معرفتها العميقة في “البيستي” أي صديقتها المقربّة منها، ورغم معرفتها كذلك بليانا المتنمّرة الظالمة التي تستغل منصب أبيها للتحكم في البلاد والعباد، شأنها شأن إناس كثيرين تحت عبارة (ما بتعرف مين أنا، وما بتعرف مين أبوي) !! فهل هذا المشهد لا يعكس قضية نعاني منها جميعًا في كافة المؤسسات وعلى جميع الصُعُد؟؟!!

صحيحٌ أنّ هذا المسلسل لا يعكس كل المجتمع الأردني، فليس بإمكاننا التعميم لأنه لغة الجهلاء، ولكنه يعكس ما يحدث بين شريحة ليست ببسيطة في كل المجتمع العربي لا الأردني فقط، فهو بمثابة جرس الإنذار ودقّ ناقوس الخطر للالتفات لمثل تلك الظواهر الغريبة عن القيم العربية الأصيلة والمنتشرة كثيرًا في الجيل المعاصر، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على ضرورة مراجعة طرق التربية في جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية بما يتناسب مع لغة وأدوات العصر التي يفهمها هذا الجيل لحمايتهم ولحماية الثوابت الدينية والوطنية..

طرح المسلسل قضايا اجتماعية ونفسية غاية في الخطورة، تسترعي الانتباه لها وعدم الاكتفاء بمعالجة (النتائج) كالعادة؛ وإنما ضرورة الوقوف على أسبابها لوضع برامج “وقائية” قبل العلاجية منها لنحمي مجتمعاتنا العربية من الغزو الثقافي الحاصل حاليًا..

ولمن استفزهم المسلسل وهاجموه دون التعمّق في القضايا العديدة الهامّة التي طرحها، أقول لهم في إطار حديثكم عن (الإباحية)، هذا المسلسل لم يُظهر إباحية مقارنة بمسلسلات أخرى أباحتها ولاقت رواجًا، وإنما طرح ما يحدث في “بعض” المدارس من القطاعين العام والخاص على حدّ سواء، فإن كانت حالة ((الإنكار)) -كالعادة- تريحكم أمام عدم الاعتراف بوجود مثل تلك الظواهر التي طُرحت، فهذا لا يعني عدم وجودها في الواقع، وإنكارها لا يعالجها بقدر ما يساعد على زيادتها، وهذا هو حقيقةً ما يحدث في الواقع للأسف الشديد..

وهنا أتساءل؛؛ ألم يستفزكم مشهد سوء استغلال السلطة والنفوذ لظلم الآخرين؟ وألم يستفزكم إغراء الكرسي والتشبّث به على حساب مصلحة الطلبة؟؟ هذا الدور الذي جسّدته مديرة المدرسة السيدة “فاتن القاضي”، فكم امرأة ورجل يفعلون في المدارس والجامعات بل في كثيرٍ من المؤسسات مثلما فعلت فاتن؟؟!!

وألم يستفزكم عدم تطبيق القانون على الجميع بعدالة؟؟ أليس هذا ما يحدث في الواقع أيضًا؟؟ وياما في الحبس مظاليم !!!

وألم يستفزكم الأذى النفسي الذي يقع على من ليس له ظهر كميريام أمام ظلم ليانا التي تحتمي بالمديرة الفاسدة ومنصب أبيها الذي يلهث وراء المال والسلطة ومهملاً لابنته وأسرته؟؟

ألم يستفزكم أيضًا الموظفة أو المعلمة الأمينة وعاملة التنظيف المغلوب على أمرهما وصوتهما غير المسموع أمام طغيان السلطة والنفوذ وحاجتهما للعمل والأجر للعيش بكرامة؟؟

ألم يستفزكم كذلك الوصمة الاجتماعية للمرض النفسي ولمن يأخذ الأدوية النفسية إن احتاجها، أليس ذلك حقيقة الواقع؟؟ على الرغم أنّ سبب مرض ميريام النفسي وتناولها دواء القلق كان سببه ظلم ليان والمديرة والأهل ونظرة المجتمع التي اغتالتها بسبب الشائعات الكاذبة..

ألم يستفزكم يا جماعة جهل الأب والأم في التعامل مع مشاكل أولادهم ومع بناتهم على وجه الخصوص، والتضحية بحياتهنّ ونفسياتهنّ وتعليمهنّ ومستقبلهنّ بسبب كلام الناس؟؟

ألم يستفزكم يا سادة وضع الفتيات اللواتي أسميتموهنّ بالمنحلاّت بأنّ سبب انحلالهنّ هو ضغط الأهل عليهنّ وعدم رعايتهنّ وعدم تربيتهنّ على مخافة الله قبل مخافة المجتمع؟؟ ومثال ذلك رانيا صديقة ليان المقربة جدًا وشريكتها في التنمّر والفجور وإيذاء غيرهنّ، فهي ضحية أبيها مدمن الكحول، وليان ضحية جوع أبيها للمال والسلطة وترك التربية لإخوتها الذكور الذين تحكموا بها لدرجة محاصرتها حتى في غرفتها الخاصة وعم احترام خصوصيتها حتى داخل غرفة نومها، والذين حصروا الشرف في عرض أختهنّ الصغيرة فقط، وهم يفعلون ممارسات أشنع مما فعلته ولم يتمّ عقابهم، وبالمقابل ليان خسرت حياتها برصاصة شرف من مسدس أخيها في نهاية المسلسل، فكم من جريمة باسم الشرف تمّ ارتكابها في المجتمع على نفس الشاكلة؟؟ وهذا طبعًا لا يبرّر مثل تلك السلوكات التي قامت بها ليان وتقوم بها فتيات كثيرات غيرها، ولكن عقابها وفق قوانين المجتمع الذكورية لا يكون بسلبها حياتها، ولا بازدواجية المعايير لصالح الذكور الذين يفعلون ببنات الناس ما يحاولون حماية أخواتهنّ مما يفعلونه، فكم من بريئة قُتلت لذات الأسباب دون التأكد أو حتى سماع الحقيقة من الضحية والاكتفاء بالوشاية سواء كانت من باب التبلّي أم الحقيقة لا فرق..

ألم يستفزكم يا ناس كيف يحوّل الظلم وعدم سيادة القانون الشخص الطيب النظيف إلى مجرم خطير (سايكوباث)، أليست ميريام التي تعرضت للإيذاء النفسي بسبب الظلم أكثر من مرة وكرّست حياتها للانتقام وتحولت إلى شرّيرة تعكس كثير من المظلومين والمظلومات لغياب القانون وسيادة محاكم الرأي العام وإن كانت ظالمة؟؟

أرجوكم كفانا دفن لرؤوسنا في الرمال  كالنعام، وإنكار بلاوي الواقع وجعل الغثّ منه يتمدّد من تحت أرجلنا ونحن لا نريد أن نرى أو نسمع أو نواجه الحقيقة مهما كانت صعبة أو مُرّة أو غريبة عن عروبتنا وأردنيتنا كما تزعمون!!

وأخيرًا لا يجب أن ننكر الإبداع الفنّي الذي ظهر في هذا العمل، والطاقات الكامنة الموجودة لدى شريحة كبيرة من الشباب والشابات وظهرت في تجسيد كافة الشخصيات، فأرجوكم لا تطفسوها، ولا تطفسوا أيّ عمل فنّي درامي وطني هادف يطرح قضايا المجتمع بحرفية ويترك للمسؤولين معالجتها، فتعدّد المشاهد المستفزة للبعض لا يعني قبول وجودها بقدر ما يعني أهمية كشفها وحماية المجتمع من تفشّيها..

كل الشكر للكاتبة والمخرجة وللشباب والشابات لهذا العمل الفنّي الذي عكس ما يحدث في الشارع العربي لا الأردني فقط، وشكرًا لمن يدعم الإبداع والأفكار الخلاّقة التي تسعى لتطوير المجتمع دون العبث بثوابتنا الوطنية والدينية..

دة. عصمت حوسو

Block "%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%821" not found

اترك تعليقاً

لا يمكن النسخ!