زمن السيكوباثيين، فطوبى للطيّبين ؛؛

1٬458 مشاهدة

كثيرٌ من الناس يستخدم وصف (السيكوباثي) عند مشاهدته لنمط شخصية مؤذية، منهم على علمٍ تام بهذا التوصيف النفسي للسلوك السيكوباثي، ومنهم من يرددها نقلاً دون معرفة عميقة، والأغلب يستفسر عنها عند سماعها، ولا نستهجن هذا الاستفسار لأنّ هذه الفئة لا تعلم المعنى الحقيقي والعميق لهذا التوصيف باستثناء المختصّين أو القارئين بنهم الجوع المعرفي.

 وارتأينا ضرورة تقديم هذا المقال للشرح المبسّط للأغلبية من هو “السيكوباثي” نظرًا لكثرتهم في هذا الزمن الرديء المُتخم بهم، فهم يحيطون بنا من كل حدب وصوب، وهذا ليس تعميمًا، ولا لومًا للناس، ولا اتهامًا ظالمًا للمجتمع، ولا حتى أيّ إسقاط سياسي، وكذلك لا يعتبر التوصيف المقدم هنا نابعًا من نتائج بحث علمي استقصائي بقدر ما هو مبنيًا على مشاهدات وملاحظات شخصية، لذلك قد تحتمل الخطأ والصواب..

السيكوباث نوع من أنواع اضطرابات الشخصية، تنتشر بين الذكور أكثر من الإناث؛ ويعود السبب لذلك هو طبيعة المجتمع الذكوري الذي يعطي الرخص الاجتماعية والصلاحيات اللاّمتناهية من التسلّط والتحكّم والتجبّر في البلاد والعباد للذكور لمجرد كونهم ذكور فقط.

وفي دراسة أمريكية انتشرت في عام ٢٠١٠ أظهرت نتائجها أنه بين كل ١٠٠ رجل سيكوباثي يقابله وجود ٥ نساء سيكوباثيات، وأظهرت أيضًا أنّ ١٥٪؜ من المجرمين والنصابين والسفاحين مصابين بهذا النوع من اضطراب الشخصية، و ٣٪؜ من رجال الأعمال الكبار في العالم تمّ تصنيفهم بأنهم سيكوباث. وللحقيقة لم استهجن نتيجة هذه الدراسة وإن كانت في مجتمع مختلف عن المجتمع العربي؛ لأنّ السلوكات السيكوباثية تتشابه جدًا في كل الثقافات، كيف لا ونحن نرى تفشّي العنف والجرائم وزيادة عدد تجار الأزمات الذين يقتاتون على جيب الشعوب وقوته اليومي المحدود جدًا دون رقيبٍ أو حسيب..

ولنبدأ الآن رحلة التوصيف للسمات المشتركة بين السيكوباثيين سواء من فئة البالغين أو المراهقين أو حتى الأطفال، فهم في العادة يتمتّعون بالجاذبية واللّطف، ويوصف السيكوباثي بأنه حبّوب جدًا، ومتحدث لبق ومتكلم من الطراز الأول، فهو معسول الكلام يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ بك كما يروغ الثعلب، فهو أستاذ في الغزل والإطراء، وكلمة منه توصل الطرف الآخر إلى السماء السابعة حرفيًا وفي الوقت ذاته لربما يوصله إلى سابع أرض، كيف لا وهو يتقن العزف على أوتار المشاعر وعلى الاحتياجات النفسية والعاطفية والمادية، لذلك يمتلك قدرة هائلة على الإقناع وطاقة جبّارة على الإبهار..

السيكوباثي لا بشعر بالندم أبدًا، فهو شعور ليس بقاموسه إطلاقًا؛ لأنه حرفيًا يفتقد الضمير، لذلك لا يلوم نفسه أبدًا ولا يراجع ذاته نهائيًا، لأنه ببساطة يلقي اللوم على غيره، لذلك يبرّر أذاه للآخرين دومًا، فهو يقتل بدمٍ بارد، وقد يجرح بابتسامة عريضة، كما يذبح الآخر بكل صفاء ونقاء وأريحية، ولا يشعر حينها بأدنى ذرّة من الإحساس بالذنب، وهذا بالطبع بسبب موت ضميره تمامًا لا لغيابه فقط..

لا يتحمّل السيكوباثي مسؤولية أفعاله إطلاقًا، بل بالعكس يلوم ضحاياه ويؤنّبهم بجملته الشهيرة (إنت السبب)، وعندما يأذي أي شخص كلمته المعتادة “بستاهل”، ولمّا يجرح أنثاه يتّهمها بالحساسية إن زعلت، وعندما يراجعه أحد على سلوكاته المشينة تكون إجابته الفورية “الحق عليك” ويتهم الطرف الآخر على الفور بأنه لا يعترف بغلطه!! فلديه قدرة خارقة لقلب الحقائق لصالحه، ومهارة فائقة في تشكيك أيّ شخص بنفسه..

يعتبر السيكوباثي نفسه أذكى إخواته، ولديه إحساس عالٍ بأنه مهم جدًا بل الأهم ممن حوله، لذلك دائمًا يتوقع من الجميع معاملة خاصة واهتمام زائد يليق بأهميته التي يراها بنفسه، وهو من نوعية الناس الذين نسميهم في الوصف الشعبي (أبو العرّيف)، الذي يفهم في كل شيء ويفتي بأيّ شيء، ويعتبر أنه دائمًا يستحق أكثر بكثير مما هو فيه، ويعتبر أنه لم يوجد من يفهمه أو يقدّره، كما أنّ رأيه بنفسه يُعتبر نرجسية أصيلة متأصّلة ذائبة في تركيبته النفسية المعقدة حتى النخاع، وهذه الصفة على وجه الخصوص تعتبر إحدى نقاط التشابه والتشابك الكبير بين الشخص السيكوباثي والشخص النرجسي..

وهو ليس ذكيًا فقط بل حادّ الذكاء، يحسب كل خطوة من خطواته ويخطط لها قبل مراحل، لذلك من الصعب الضحك عليه أو أن نمسك عليه غلطة، ويعتبر البعض المجرمين السيكوباث فنّانين في الإجرام!! والسيكوباثي يستمتع بإيذاء الناس والتحضير والتخطيط المُحكم للأذى، وهذا لا ينفِ عنه صفة المخاطرة غير المحسوبة أحيانًا، وعلى الرغم من قدرته الخارقة على التخطيط المسبق وذكائه الحادّ لكل خطوة إلاّ أنه يُعتبر مندفع أحيانًا، فلا يمكن توقع سلوكه، فقد يفعل أي شيء يخطر في باله حتى لو كان خاطئًا أو خطرًا، وحتى لو كان يسبب أذىً وضررًا لنفسه ولمن حوله..

ولا يشعر السيكوباثي بغيره أبدًا نظرًا لافتقاده شعور “التعاطف”، فليس لديه أيّ نوع من أنواع المشاعر الإنسانية من الأساس، فلا يحب ولا يكره ولا يهتم ولا يخاف، ولكنه في ذات الوقت يمثّل جميع المشاعر بجدارة بشكل يفوق من يشعر بها حقًا، يعني من الآخر يقنعك أنه يحبك إلى أن تصدقه، فهو يكذب الكذبة ويصدقها بنفسه، وعندما يغضب الطرف الآخر من تصرفاته يقنعه من خلال (التمثيل) بالطبع بالندم والزعل على زعله وشعوره بالذنب اتجاهه، ومن فرط تمثيله وقدرته على الإقناع يصل الطرف الآخر لمرحلة يرغب في فعل أيّ شيء كرماله حتى لو كان تقطيع شرايينه من أجله من كثرة ما يقنع السيكوباثي الآخرين أنه يستحق ذلك، كيف لا وهو يدّعي الحب والاهتمام وهو لا يشعر بذرّة منه في قلبه..

يُعتبر السيكوباثي المتخصص الوحيد في التلاعب بمشاعر الآخرين، خاصة في العلاقة العاطفية، فقد يشعر الطرف الآخر اليوم بأنه الحب الأوحد والوحيد، وفي اليوم التالي مباشرة يشعره بالذنب بسبب حبه الضئيل، وبعدها بيوم يشعر الطرف الآخر بأنه ظالم له ولا يحبه بالمستوى نفسه!! فكل يوم في حال للأسف الشديد مما يؤثر سلبًا على الطرف الآخر في العلاقة ويتركه في حالة من الذهول والدهشة..

أما بالنسبة للكذب فهو الأكذب على الإطلاق، وبين كل كذبة وكذبة بينهما كذبة، فهو يكذب بشكل غريب ومتكرر ومذهل جدًا؛ لأنه يرغب دومًا في تطويع الحقائق لصالحه، ولا مانع لديه بمزج الحق بالباطل، وإدخال الوهم بالواقع، ويفعل كل ذلك وأكثر بكل سهولة ودون أن يظهر عليه أي شيء أو دليل يدينه..

وبالإضافة إلى بشاعة كل ما سبق يوصف السيكوباثي أيضًا بأنه عنيف ومتنمّر، وغضبه شديد وقاسي ومؤذٍ جدًا، ابتداءً من العنف اللفظي إلى العنف الجسدي غير المتوقع..

لا يوجد سبب وحيد أو واضح لاضطراب الشخصية السيكوباثية، وله عدة عوامل وأسباب متداخلة مع بعضها البعض، سواء جينية أو بيولوجية أو وراثية أو بسبب الضغوط الاجتماعية والمشاكل المتكررة التي تعزّز وجوده، ويبدأ هذا الاضطراب بوجود “السمات السيكوباثية” التي تظهر في السلوك منذ الصغر، وإن لم تتم ملاحظتها وعلاجها مبكرًا فإنها تتطور مع الوقت نحو اضطراب الشخصية السيكوباثية، لذلك يجب مراقبة هذه الأعراض في مرحلة الطفولة والمراهقة في البيت والمدرسة على حدّ سواء حتى لا يبتلينا الله بمثل هؤلاء في مواقع السلطة لاحقًا وندفع نحن ثمن سيكوباثيتهم.

 ولعلّ أخطر ما في التكوين النفسي للسيكوباثي وجود جزء داخله يشعر بأنه غريبٌ عنه، حيث يكون بشكل صورة نفسية إما لأمه أو أبيه في داخله ترتبط بالقسوة والإهمال أو سوء المعاملة التي تعرّض لها من أحد منهما أو كليهما معًا في طفولته، وهو يكره هذا الجزء منه جدًا، لذلك يكون منهج حياة السيكوباثي هو تدمير كل من يكون من المفترض أنه أغلى شيء أو أفضل شخص لديه.

السيكوباثيون والنرجسيون جزء كبير من شخصياتهم تأتي بهذا الشكل بسبب نمط تربيتهم وخاصة الذكور منهم، فقد يكون الدلال المفرط والامتيازات الممنوحة للذكر تقوده للنموّ نحو تلك الشخصيات المضطربة التي يدفع ثمنها لاحقًا زوجاتهم وأولادهم وأسرهم ثم المجتمع بأسره، ويا لطيف..

بعد هذا الاستعراض للسيكوباثيين ولو تفكّرنا وتأمّلنا قليلاً كم قابلنا في حياتنا منهم، سواء داخل البيت أو خارجه، في الواقع أو على المواقع سنجد الكثير منهم حولنا وفي حيواتنا، فالحياة أجبرتنا على مصادفتهم قسرًا أو طوعًا لا فرق، فقد رأينا الفهلوة والنصب والتلاعب بالعقول والقلوب، وسمعنا الكذب والخداع في البيع والشراء وفي الحب والخطوبة والجواز والطلاق وغيره وغيره الكثير والكثير..

فهل أمسى المجتمع اليوم سيكوباثي؟! اعتقد ولست أجزم أننا اليوم في زمن السيكوباثية؛ لأنّ المجتمع الذي يتلاعب بمشاعر المواطنين لدرجة لا نعرف من يحب منا ومن يكره، ذلك المجتمع الذي يلوم الضحية ويذبحها ثم يسلخها، مجتمعٌ يكره نفسه ويقسو على أغلى ما فيه، فمن الطبيعي أن يكون نتاجه عقول مقفلة وقلوب متحجرة تقسو على أغلى ما لديها، فنحن نتحول إلى السلوكات السيكوباثية بدرجة مزعجة ومرعبة جدًا وجدًا..

وعليه، نحتاج اليوم إلى بحث وتحليل، ونحتاج إلى جهد وتوعية، ونحتاج أن نندهش حدّ الذهول من أحوالنا الغريبة عنا ونتألم منها ونندم عليها، والأهم أننا نحتاج إلى تدخّل جراحي محترف، وبدلاً من غمض العيون وجب علينا فتحها على مصراعيها حتى نعيد البصيرة للبصر، وأن نقرر التغيير الحقيقي والأصيل والعميق، ومن الجذور، وعلينا أن نسرع جدًا قبل فوات الأوان..

دومًا لنا من هذا الحديث في السلوك الإنساني بقية… ودمتم….

دة. عصمت حوسو

Block "%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%821" not found

اترك تعليقاً

لا يمكن النسخ!