اللّعب مع الشيطان: الحرب النفسية والكيان

145 مشاهدة

وردت أهمية الحرب النفسية في القرآن الكريم قبل أن يفرد لها العلماء والمفكرون صفحات في الكتب، حيث جاء في الآية الكريمة (٦٠) من سورة الأنفال ما قاله تعالى:
” وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ “.

تقوم الحرب النفسية للعدو حاليًا على نشر الأخبار المفبركة بطريقة مستمرة ومتكررة وبكل وسائل الإعلام بشكل عام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص، بغرض مساعدة الكيان في التأثير على السياسة الخارجية للدول ورفع سقفها للحصول على مكاسب معنوية قبل المكاسب على الأرض؛ مثل التعاطف والتأثير من خلال الحيلة النفسية التي تُعرف ب(الابتزاز العاطفي) مثلما ابتزّ الكيان الفاتيكان عندما خاطبه قبل عدة أيام بالعاطفة الدينية على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى تكتيك يُعرف ب(التلاعب بالعقول) فيستخدمه على مستوى فردي بالعادة المصاب باضطراب الشخصية النرجسية لإقناع الضحية أنها السبب فيما يحدث لها ولا علاقة له بذلك، تمامًا كما يفعل الكيان بالتأثير على الرأي العام العالمي للتماهي مع الجلاد _أي الكيان- بدلاً من التماهي مع الضحية -أي الشعب الفلسطيني- ونجحوا نسبيًا في ذلك في بداية المعركة الأخيرة المباركة “طوفان الأقصى” قبل أن تنتبه المقاومة الإلكترونية لذلك فقاموا بدعاية مضادة مبنية على الحقائق لا على التزييف كما يفعل الكيان بألعابه وحيله الشيطانية في هذه الحرب النفسية التي أبدع بها منذ تأسيسه إلى الآن، وتساعده بذلك الماكينة الإعلامية العالمية المملوكة للصهاينة أنفسهم.

إنّ دراسة الجوانب النفسية لسيكولوجية العدو أهم مدخل لمعرفة الدوافع التي تحكم سلوكه، الأمر الذي يمكّننا من التنبؤ بسلوكاته على المدى القصير والبعيد على حدّ سواء، وهذا ما أدركته المقاومة مؤخرًا وعزفت على هذا الوتر بلحن النصر، وفاجأتهم من مأمنهم دون أخذهم للحذر في طوفان الأقصى، وسبقتها بذلك معركة سيف القدس مع التطور النوعي بأدواتهم في الحرب النفسية الذي نراه حاليًا بمسافة السنتين بين المعركتين.

من المعلوم أنّ الحروب تقوم على جانبين: الأول يتمثّل بالقوة المادية من الرجال والسلاح والتمويل والإعلام وهذا الجانب يتفوق به الكيان على المقاومة، والثاني يقوم على “إرادة الإدارة وإدارة الإرادة” وهذا ما تفوقت به المقاومة دومًا على العدو الغاشم الغاصب، وما يجعلهم يصمدون في كل معركة، أما الجغرافيا فلأنها وطن المقاومة فهم أعلم بكل شبر فيها، وكذلك الديمغرافيا ففلسطين موطنهم الأصلي ويفوقون الكيان عددًا، وبالمقابل لا يعلم الكيان الجغرافيا سوى من الخرائط والأقمار الصناعية لا بالواقع، أما سكانهم فهم (لمم) تم تجميعهم من جميع أنحاء العالم وزرعهم الكيان على أرض فلسطين الطاهرة، والدليل أنّ كل شخص فيهم يحمل جنسية أجنبية أخرى، وهذه الديمغرافيا جعلت سكان غزة يستشهدون فداءً لأرضهم وجعل المستوطنين يهربون فداءً لأرواحهم لأماكنهم الأصلية بهجرة عكسية يتوسع مداها في كل حرب، وستزيد النسبة بعد طوفان الأقصى بشكل غير مسبوق بناءً على قراءة تحليلية للواقع.

الدول الحديثة أعطت أهمية كبرى لفنون الحرب النفسية وأدواتها سواء في الحروب الباردة أو الحامية الوطيس، وتعتبر (القوّة المعنوية) -وهذا ما تعتمد عليه المقاومة دومًا- أنها تشكّل ٥٠٪؜ من مجموع قوة الدولة، بينما قديمًا مثلاً كان نابليون بونابرت يعتبرها تشكّل ٧٥٪؜ من القوّة الحربية، ربما بسبب تطور تكنولوجيا الأسلحة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فأعطت الدول الحديثة توزيع النسب مناصفة بين أهمية الإرادة وإدارتها كقوة معنوية وبين قوة الأسلحة، فالكيان اعتمد على القوة المادية والدعم العالمي والإعلام، وبقي ٥٠٪؜ لديه ناقصًا لغياب الإرادة لدى جنوده وبالذات بعدما أرعبتهم المقاومة ويرعبهم “الضيف” في كل ظهور له، لذلك يتجنبون الهجوم البرّي في كل حرب ويكتفون بالتلويح به، ثم استعانوا بجميع الجيوش والبوارج والسفن الحربية للعالم بأسره لتغطيته إن تولدت لديه الجرأة وقرر الاجتياح البرّي لارتكاب إبادة جماعية لأهل غزة العزة كما يفعل كل يوم منذ بدء طوفان الأقصى إلى هذه اللحظة.

فما فائدة القوة المادية إن كان مجموع القوة المعنوية لدى الجنود يساوي حاصل الضرب في صفر؟! لأنّ القوة الإجمالية هنا أيضًا تصبح صفرًا ولن تنفع شيئًا بغياب المعنويات العالية والعزيمة والإيمان الصادق لتحقيق النصر، وهذا ما حصل مع جيش الكيان الذي اختبأ في عباءة كل جيوش العالم أمام مقاومة بأدوات قتالية بسيطة رغم تطورها مقابل معنويات عالية جدًا.
وهنا أدرك الصهاينة أهمية الحرب النفسية لضمان الخمسين بالمئة المفقودة لديه والتي يعتمد عليها للفوز بالحرب أو بجولات المعركة بسرعة أكثر وخسائر أقل في الأرواح والمعدات، فيلجأ الكيان كعادته إلى “الطابور الخامس”، وهم أهم أدوات الحرب النفسية لديه من العملاء والخونة والمرتزقة من كافة الجنسيات والتي جمعتهم بما يطلق عليها الوحدة (٨٢٠٠) وبلغة السوشال ميديا اسمهم “الذباب الإلكتروني” حيث تنشرهم بكثافة على كافة التطبيقات الافتراضية لتنال من عزيمة الشعب، وتشكيكهم بالمقاومة وعدم جدوى ما تقوم به، وتضخيم قوة العدو الذي لجأ إلى حيل “غسيل الأدمغة ” و(كيّ الوعي) بأسطورة الجيش الذي لا يُقهر منذ تأسيسه إلى الآن، وجاء طوفان الأقصى ليفكك كل ذلك في العقل العربي الذي اعتاد الهزيمة، حيث يجني هؤلاء المرتزقة المكاسب المادية مقابل خيانتهم أو المناصب أو أي منافع شخصية وصفقات ومصالح طبقية.
وهذا ما حصل منذ بدء طوفان الأقصى إلى تاريخ كتابة هذه السطور، واتباع أساليب الحرب النفسية القذرة وتزوير الحقائق وفبركة الصور إلى أن أدركت “المقاومة الإلكترونية” ذلك وتصدت لها مما حوّل اتجاه الرأي العام العالمي لكشف زيف ادعاءاتهم، على الرغم ما مارسه أصحاب مواقع الإعلام العالمي والتطبيقات الاجتماعية من تقييد وتحديد للمحتوى والحظر للحسابات الناشطة.

إنّ قتل العرب والإبادة الجماعية متعة لدى هذا الكيان الفاشي فهي جزء من عقيدته، ولكنهم مارسوا “حيلة الإسقاط” النفسية بإسقاط تهمة الإرهاب على المقاومين ووسم كل من يقاوم باسم الدين بالإرهابيين والدواعش على الرغم أنهم هم من خلقوا الدواعش، ولعلّ المجازر اليومية التي يرتكبها الكيان في شعب غزة خير دليل.

وعلى الرغم من ضعف ماكينة الإعلام العربية مقابل الصهاينة، وعلى الرغم من تشتّت العرب وعدم وحدتهم في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة للوقوف أمام الكيان، حيث حشد الأخير العالم كله لجانبه وجاء زعماء العالم كله على الأرض المحتلة لدعمه، إلاّ أنّ المقاومة صمدت ونجحت في الحرب النفسية المضادة إعلاميًا في طوفان الأقصى رغم شحّ الإمكانات، ولعلّ ما يمارسه الناطق الإعلامي باسم المقاومة من أساليب حرب نفسية أرعبت الكيان وجعلته يتخبط حدّ الهجوم بوحشية على الشعب الأعزل، والمجازر والإبادة الجماعية يوميًا خير شاهد.

لقد برهن الشعب الفلسطيني “غير المحتلّ” على مدار السبعين عامًا من الاحتلال الغاصب أنه على مستوى عالٍ من الإرادة والوعي، وهدفه التحرير وإن كان باهظ الثمن، ومهما تكالبت عليه القوى الغربية واستشرست فيه الصهيونية الهمجية، إلاّ أنّ عقيدتهم التي يؤمنون بها قوية جدًا وقناعتهم بعدالة القضية التي يقاتلون من أجلها عالية جدًا.


وأنهي بكلمات محمود درويش: كانت تسمى فلسطين، وصارت تسمى فلسطين، أم البدايات وأم النهايات، وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة لأجلها..

ودومًا لنا من هذا الحديث حصة أخرى وبقية…

دة_عصمت_حوسو

Block "%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%821" not found

اترك تعليقاً

Don`t copy text!