٢٠١٧: وطنٌ للقلوب وآخر للجيوب

٢٠١٧: وطنٌ للقلوب وآخر للجيوب
808 مشاهدة

عامٌ مضى من التغذية الراجعة أظهر أن لعبة (الروليت) العربية تتوقف عند نفس الرقم وتكرر ذات الرابحين بفجاجة مضحكة، وأن النهايات المفتوحة للاحتمالات لا تقتصر على (الأفلام) بل وبشكل فريد على العالم العربي فرديًا وجمعيًا. وهنا على وجه الخصوص يتراجع دور الوطن العربي في الخارج في ذات الوقت الذي يتراجع فيه دور المواطن العربي في الداخل، فالمال في الغربة (وطن)، والفقر في الوطن (غربة)…

الغموض يلُفنا من الرأس إلى القدم، وهذا ما يؤكد بوضوح أن ما يحتاجه الوطن العربي في المرحلة القادمة هو “ثورة نفسية” قبل أن تكون ثورة اجتماعية مطالبية. فالثورة النفسية تكون ثورة على النفس العربية لتحقيق تغيير جذري في الذهنية العربية؛؛ في البُنية المعرفية، وفي القيّم العليا، وفي المبادئ، وفي ايديولوجية الحياة. عندئذ تصبح الثورة الاجتماعية وإفرازاتها (شرعية) بما يعكس الوعي الحقيقي لمطالب الإنسان العربي وليس (الوعي الزائف) القائم على المحاكاة والتلقين والإذعان المُهين. وعندئذٍ أيضًا يمكن تحقيق جميع مجالات الإصلاح: النفسي، والاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي، والسياسي. فلا يمكن تحقيق إصلاح حقيقي (راديكالي) دون أن يسبقه كشرط مُسبق إصلاح نفسي ثقافي وهو بدوره نتيجة حتمية للثورة النفسية على النفس العربية….

ما نحتاجه حقيقةً في الوطن العربي وما نُريده حقًّا؛ جنوحًا عربيًا ووطنيًا على: الجهل، والتخلف، والفقر، والحقد، والجهوية، والقبلية، و(الطائفية)، على الأنانية واحتكار السلطة، على الفساد الأخلاقي والفساد المالي والإداري. نُريد تمردًا عربيًا أصيلًا على (التطرف)؛؛ على كل من يعتقد أن الدين له وحده يحرّم ويحلّل كما يشاء، وعلى كل من يعتقد أنه في الوطن وحده أو أن الوطن له وحده، وعلى كل من يعتقد أن رأيه دائمًا هو الأصوب وهو الأوحد والوحيد لا قبله ولا بعده…

نحن (الشعب العربي) نريد ربيعًا عربيًا حقيقيًا، يثور على كل ما سبق لنحصد ثماره وليُجلي أدمغتنا من التطرف القميء المستشري في عقولنا جميعًا،،،، لا نريد مربعانية عربية فّتتت أوطاننا، قسّمتنا، فرّقتنا، مزّقت وحدتنا، أذابت هويتنا، شوّهت ديننا، وأماتتنا جوعًا وفقرًا وحقدًا وإرهابًا…….

لا نُريد في هذا العام الجديد وطنًا في القلب وآخر للجيب، نُريد وطنًا في الفكر والقلب والوجدان سلوكًا وممارسة بعيدًا عن الفساد والإفساد، فالناموس الأخلاقي الذي كان سائدًا في العام المنصرم وما قبله إذا استمرّ سائدًا في هذا العام أيضًا سيقود في أحسن الظروف إلى التطرف بكافة أشكاله بين كافة شرائح المجتمع وأطيافه، وإلى انهيار البُنى التحتية والمنظومة الأخلاقية في أسوأ الظروف، والأسوأ على الإطلاق لا أن نكون في نظر الأغيار (أضحوكة) بل عندما نستحق (الشفقة) في نظر الأغيار. فالمنفى ليس اغتراب الإنسان عن وطنه، ولكن المنفى الأكثر جدارة بلقب المنفى هو اغتراب الإنسان عن نفسه وفقدانه لاحترام ذاته واحترام الآخرين… نُريد وطنًا قلبًا وقالبًا؛ فالكرامة كالشرف مرّة لا مرتين..

لا نُريد أن نصل لمرحلة (لا سمح الله) ونبكي كالبواكي ونقول كما قال الرصافي:- “كان لي وطن أبكي لنكبته، واليوم لا وطن لي ولا سكن، ولا أرى في بلاد كنت أسكنها إلاّ حُثالة ناس قاءها الزمن”.. وللكرامة عنوان…

الحكمة تقضي ألاّ نستهين ببصيص النور حتى لو انبعث من شقّ،،، كل عام والوطن العربي الكبير وأردننا بألف خير، عسى أن يكون عامًا جديدًا يحمل السلام والأمن والأمان في طياته للجميع….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !