(إحنا) أولًا

(إحنا) أولًا
2٬120 مشاهدة

أعلن الرئيس الأميركي الجديد (دونالد ترامب) في خطاب تنصيبه الرئاسي الأول شعاره الجديد في السياسة الأمريكية (أميركا أولًا)، وقد سبقناه هنا في الأردن بعقود في إعلان هذا الشعار (الأردن أولًا). وبعد التطورات الدولية والإقليمية والعربية والمحلية المحبطة جدًا والمحزنة في الوقت نفسه، آن الأوان أن نُعلن شعارنا الجديد هنا – من نفس المكان – (إحنا أولًا)؛؛ لمّا يكون الشعب بخير يكون الوطن بخير أيضًا، فإحنا أولًا حتى يغدو الوطن أولًا ويبقى الأردن دائمًا وأبدًا (أولًا)..

إن ما نرى ونشاهد حاليًا من مظاهر العنف المختلفة المعدية جدًا الناجمة عن التطرف في منهجية التفكير والمؤدية بدورها إلى الإرهاب في السلوك والخراب الذي يُخلفه ذلك سواء في البُنى التحتية للوطن أو الظواهر الاجتماعية المرضية الخطيرة المنتشرة فيه؛ كتزايد الانتحار أو التلويح به، وانتشار الجرائم بأشكالها المختلفة داخل الأُسرة وخارجها، وتقارب المسافة الزمنية بين الجريمة تلو الأُخرى. هذا الوضع المرعب وضعنا جميعًا في حالة ذهول! الأمر الذي يدعونا شعبًا وحكومة التوقف والبحث في ماهيته لأنه وليد هذه اللحظة الحرجة جدًا التي نعايشها في الوقت الراهن أردنيًا وعربيًا..

استفحال العنف الفردي والمجتمعي يُلزمنا جميعًا بذل الجهود وشحذ الهمم والمشاركة بالحلول، ولكن قبل الولوج في الحلول المؤقتة وفقًا لنظام (الطبطبة) والترقيع، علينا أولًا حصر الأسباب الفعلية وتشخيصها، ثم استحداث تفسيرات بنيوية شمولية، لبناء خطط حكومية بوسائل وآليات علاجية تأخذ بعين الاعتبار العلاقة الحساسة جدًا حاليًا بين المؤسسات الحكومية والمواطنين وتُعيد الثقة بين جميع الأطراف، من أجل الوصول إلى حلول وقائية لا فقط علاجية تتصف بالديمومة والمرونة في الوقت نفسه. والأهم أن تكون قابلة للتعديل والتطوير باستمرار للقضاء على هذا ((الإرهاب المدني)) إن جاز تسميته بذلك، المتمثل بإنكار الآخر كقيمة متماثلة مع الأنا والنحن تستحق الاحترام والتقبّل، والقائم على استبعاد الآخر عن حلبة التغالب، إما بخفضه إلى تابع، أو بنفيه خارج اللعبة، أو تصفيته واغتياله معنويًا أو جسديًا.

هذا الإرهاب المدني القميء زعزع أمننا وأماننا الوطني وخلخل نسيجنا الاجتماعي ومزّق وحدتنا وفكّك ترابطنا وفتّت أُسرنا وعلاقاتنا إلى أشلاء. الأمر الذي فرض علينا قبول إذعاني لسياسات مفروضة علينا ومرفوضة من قِبلنا، واقع تلك الورطات والتناقضات التي نعيشها ولّدت فينا حالات (الفصام) الفردية والمجتمعية. ولأجل خروجنا من هذا الفخّ تقع على عاتقنا جميعًا مسؤولية مواجهة حالة الانفصام تلك، وضرورة تحولنا من (رعايا) إلى مواطنين نُمارس حق المواطنة بجدارة، ونُقاوم الظلم والفساد وما يحمله من عنف وتطرف وإرهاب بشكل مباشر وغير مباشر.. فلا وألف لا (للإرهاب المدني) ونعم وألف نعم (لإحنا أولًا)..

شعارنا الجديد إحنا أولًا يعني أننا نُريد حق الحصول على الحقوق الأساسية الذي كفله الدستور وكافة القوانين والتشريعات المحلية والدولية، نُريد العدالة في تطبيق القانون وفي توزيع الموارد والمناصب والوظائف والرواتب، نُريد أن يتحمل الجميع مسؤولية سدّ العجز في الموازنة وإنقاذ الوطن لا من جيوب المواطن الفقير فقط، نُريد أن ترحمونا من التفنّن في فرض الضرائب التي قد تصل حدّ الضريبة على الهواء يومًا ما، نُريد تخفيف الأسعار التي أرهقت دخولنا، نُريد تشجيع الاستثمار للجميع بعدالة لا تهجيجه، نُريد فتح فرص العمل أمام الشباب والشابات بُناة الغد، نُريد أن نشعر بالقيمة والتقدير في مؤسساتنا الوطنية لا الهجرة للحصول عليها في بلدان أكثر احترامًا للإنسان وحقوقه وكفاءاته، نُريد أن نشعر بالانتماء للوطن لا الغربة فيه والاغتراب عن خيراته، نُريد أن نرى مجددًا نماذج القوة والأبطال والانتصارات لا الفساد والفاسدين فقط، نُريد أن نرى البُنى التحتية لمؤسساتنا الوطنية قوية لا هشّة تنهار أمام شتوة قوية أو عاصفة ثلجية، نُريد أن نرى إعلامنا قويًا نظيفًا لا أصفرًا مباعًا ونسمع أخبار وطننا من خلاله فقط لا من خلال الإعلام المُغرّض، نُريد (دولة مدنية) لا تغيب فيها عدالة تطبيق القانون لا (إرهابًا مدنيًا) وسيادة العنف والبلطجة، نُريد المؤهلات العالية والكفاءة هي (البصمة) للشهرة لا الواسطة أو الرشوة، نُريد وقف الاتجار بالدين والأخلاق وتشويهه، نُريد شمول العلاج النفسي في التأمين الصحي؛ فجميعنا مرضى ومجهدين نفسيًا وماليًا ووطنيًا…

لم نعد نُطالب الآن برفع الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية – فقد هرمنا – ربما هو حلم أكبر من مقاسنا، بل نُريد العدالة في توزيع الظلم الاجتماعي على الأقل، لنركب جميعًا ذات المركب ونشعر ذات المشاعر وتتشابه أوضاعنا ونردم الفجوة الطبقية المجحفة بيننا..

(إحنا أولًا) نُريد ونُريد ونُريد ونُريد، وأنت تُريد والله يفعل ما يُريد… إذاً، ماذا الآن؟؟ ماذا بعد أن اتضح لنا بصورة جليّة ومفجعة أيضًا حجم الكارثة (والخطر الوجودي) الذي يُسببه سوء الوضع الحالي، وما ينجم عنه من التطرف والإرهاب والعنف والجريمة والانتحار وغيرها من الأمراض النفسية والمجتمعية التي أنهكت الجسد الأردني حدّ الخطر في خلخلة تماسكه ووحدته وصموده أمام التحديات الكُبرى التي فرضتها عليه الظروف الحالية (غير العادية) محليًا وعربيًا ودوليًا؟؟ أما آن الأوان لتتعامل الدولة ومؤسساتها بحكمة وتعقّل مع مسببات العنف والتي بجوهرها لا تبتعد عن ارتباطها بعوامل الفقر والبطالة، وتردّي الوضع الاقتصادي، والغلاء الفاحش، وعجز الموازنة المتصاعد، وتدهور نظام التعليم، وانعدام الأُطر اللامنهجية للطلبة، والكثير الكثير غيرها؟؟

جميع ما سبق بالتزامن مع التغيرات البُنيوية الديموغرافية في تركيبة المجتمع الأردني، وفي بُنية العائلة والعشيرة أيضًا، وتداعي المنظومة القيمية والأخلاقية، كل ذلك معًا في مجتمع قد انحرفت بوصلته الوطنية، وهزُلت مؤسساته الرسمية، وسُرقت مقدّراته، وتهمّش حكمائه، وغُيّب عقلائه، واستُثني مثقفيه، وتقزّمت أهدافه العامة مقابل الأهداف والمصالح الخاصة للقلة الفاسدة، في ظل هذه الظروف وجب التحرك الفوري والسريع لإنقاذنا نحن وأردننا. بالتأكيد لا توجد وصفة سحرية سريعة، ولكن على الأقل يجب أن تكون سرعتها بمستوى تسارع الخطر والغضب المجتمعي وحالة العوز والإحباط الحالية، وهنا مربط الفرس، وهو التزام العمل بخطة منهجية آنية واستراتيجية في ذات الوقت واضحة المعالم لسنوات، وبمشاركة الجميع، والتعامل الجريء للخروج من المأزق، والأهم تثبيت بوصلة أخلاقية ووطنية مُلزمة للجميع دون استثناء تُحوّل التناقضات الحالية من حالة الهدم إلى حالة البناء، وتدفع بأردننا ومواطنيه نحو الاستقرار والتقدم والرقيّ والتسامي..

نحن قادرون جميعًا بتشاركنا ووحدتنا لا خلافاتنا وشرذمتنا على تخطّي هذه الأزمة، حراكًا شعبيًا وحراكًا مؤسساتيًا يدًا واحدة بما يخدم مصالح الوطن، ويُؤطر قوة الجميع ويُسخّرها باتجاه مسار واضح متناغم لصالح الوطن ومواطنيه. إمكانية التغيير والإصلاح (كامنة) بإمكانية حشد الجهد والعمل المتواصل المتكامل والمتراكم من أجل الوطن. هنا وهنا فقط نقضي على ظواهر التطرف والعنف والإرهاب والانتحار وغيرها، والأهم نتجنب الأجندات المُغرّضة التي تُهدد الأمن والأمان؛؛ فالفساد والأمان متناقضان لا يجتمعان…

الإذعان والظلم والعوز والفساد (المزمن) له عتبة تحمّل، بعدها لا يستطيع المواطن تحمل حدّة الإيذاء (للكرامة والكبرياء) ومرارة لقمة العيش والماء. الرفض الشعبي لتدابير قاسية ومحددة من المتاح جدًا الآن أن يتم تعميمها نحو رفض كل شئ، قد تكون مقدمات (عصيان مدنى) لا سمح الله، وهو أبعد ما نرضاه ونتمناه لوطن نرنو إليه بقلوبنا وأرواحنا ونحمله بين الجفنين.. إحنا أولًا من أجل الأردن أولًا…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !