الحبّ وأشياء أخرى

الحب وأشياء أخرى
1٬168 مشاهدة

لا مناص هنا أن استهلّ مقالتي عن الحُبّ بكلمات نزار قباني:- “إني خيرتك فاختاري، اختاري الحب أو اللاحب فجُبنٌ أن لا تختاري، لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة والنار”…

الحُبّ الحقيقي هو تلك الحالة التي ترفع الشخص وتسمو به إلى الأعلى؛ أعلى فكريًا وأخلاقيًا وإنسانيًا ومهنيًا ووظيفيًا، هذا هو الحُبّ. فالحُبّ الحقيقي حالة توافقية بامتياز تتراوح بين الانسجام العاطفي والانسجام الفِكري، والعاطفي هنا هو وليد الفِكري وليس العكس، فيُخطىء من يعتقد أن الحُبّ عبارة عن مشاعر مُجردة من عامل العقل..

فحالة الحُبّ (الحقيقي) هي حالة عقلية شمولية، وحالة وعي كاملة، وجاهزية عالية، ومعرفة تامة للشخص (المناسب) وفي الوقت المناسب. وهي بالتالي تبادلية حتمية مع الآخر (في المشاركة والاحترام والتقدير والفخر والتسامح والعطاء والقبول والاحتواء والتحمّل في السرّاء والضرّاء، وأهمهم الرحمة المتبادلة)، واللذان يعترفان كِلاهما من خلال حالة الحُبّ الحقيقي تلك أنهما صنعا أعظم انتصار في معركة الكون ..

فالحُبّ الحقيقي ليس عملية حسابية ولكنه بالتأكيد معادلة صحيحة، فهو يشبه الحياة، المعرفة العقلية والسموّ الأخلاقي تزيد من المتعة به..
وتسقط هنا مقولة (الحُبّ أعمى) لأنها تَبعُد كلّ البعد عن توصيف الحُبّ الحقيقي في هذا المقال..

يجب أن لا نخلط بين الوقوع في الحُبّ والحُبّ الحقيقي؛؛ فالوقوع بالحُبّ أشبه بالنار التي نشعلها من الأغصان النضرة التي تُخمد بسرعة، أما الحُبّ الحقيقي فهو نار الموقدة التي تؤججها قطع الحطب الثخينة فمن غير الممكن أن تُخمد أو تنطفىء بسهولة…

تساعد الخلافات في حالة الحُبّ الحقيقي على الخروج من حالة الانصهار إلى اللانصهار بشكل (مؤقت)، وهذا أمر مهم لإدراك الفروقات بين الشريكين (وتقبلها) كما هي على أنها مصدر بهجة وتجاذب لا تنافر، والتكيّف مع وجودها دون أدنى جهد للتغيير؛؛ فالحُبّ الحقيقي يبرز في هذه الحالة من خلال القدرة على تخطّي الأزمات وفنّ إدارة الصراع والخلافات، ويتجدد من خلالها ثم يتطور ويستمر، لأنه ينمو كنتيجة حتمية للجهود المبذولة من قِبل الشريكين معًا لإيجاد الحلول المتضافرة للضغوط والخلافات والأزمات..

فهو بلا شكّ علاقة تبادلية مُتكافئة، ليس ساحة معركة فيها رابح وخاسر أو صراع بقاء بين قوي وضعيف، وإنما هو علاقة مبنية على التقبّل غير المشروط والتنازل دون قيود بالإضافة إلى التفاهم والاحترام والاهتمام..

الحُبّ الحقيقي ليس عرضًا تدنو فيه (ساعة الحقيقة) فيجب تقبّل أن للآخر فسحته السرّية في (الماضي) طالما أنها لا تؤثر على حاضرهما ولا على (كرامة) الشريك، فإن لم يشأ أي منهما الإفصاح عن تفصيل ما في حياته السابقة فلهُ كامل الحرية وليس من الإنصاف إجباره، فهذا أمر غير لائق.. وبالمقابل من غير المجدي ممارسة لعبة (الغموض) أو الاختفاء بالغياب غير المبرّر كعدم الردّ على الهاتف مثلًا، أو توخّي الحذر في الخصوصيات أيضًا وخصوصًا (الموبايل) !! فذلك يؤذّن بخراب العلاقة أو بُهتان بريقها مع الوقت، وإيقاظ الغيرة المرضية حدّ الشكّ، ثم يحدث ما لا يُحمد عقباه…

الحُبّ الحقيقي هو الامتنان العميق والكبير لفكرة العيش مع شخص (حيّ) بكافة تفاصيله والشعور به بكل معنى الكلمة، وأقصد هنا بالحيّ أي من (الحياة) فتكون اللحظات والسنين بينهما مليئة بالحياة والمشاركة والسعادة والذكريات الجميلة لا طول المدة فقط.. ويكون (الوفاء) والإخلاص هنا هو الوسيلة الفُضلى للإعراب عن إلهية الحُبّ وثباته، وقياس إمكانية الارتباط الأبدي المُرتكز على العهد والوعد والميثاق الأخلاقي الخاص..

مفهوم (الحُبّ العابر) يبعد كثيرًا عن مفهوم الحُبّ الحقيقيّ الذي عرفه قلّة من النّاس، لأنّ مشاعر الإنسان مُتقلّبة وغير ثابتة، ولأنّ الإنسان يمرّ بحالات عديدة يتوهّم من خلالها الحُبّ. وقد يلتبس المعنى بين الحُبّ، والتعلّق العاطفي، والإعجاب الشّديد، وموجة الانجذاب الطارىء. فالحُبّ الحقيقيّ هو الذي يتخطّى الزّمان والمكان ويخلو من أيّة (أنانيّة)، وهو الحُبّ من أجل الحُبّ وليس لإشباع رغبة مُعيّنة على الصّعيد الروحيّ أو الجسديّ أو المالي أو حتى الحياتي، فينتهي بانتهائها أو يخفت وهجه مع الوقت. وهو يُتَوّج في الزواج إن كان صادقًا غير مُغرّضًا وحقيقيًا، لأن الهدف منه بناء أُسرة عمودها الحُبّ وأشياء أُخرى…

حالة الوقوع في الحُبّ الذي يبصر النور حديثًا هو تجربة تشارك وانصهار (مجازية) مُفعمة بطاقة سماوية لا زرقاء ولكنها مؤقتة، وفيها من شرارات الحُبّ الأولى ما هو خرافي المدى ولكنه قصير الأجل في ذات الوقت وأجيجه لا يدوم إلى الأبد. وفي قلب هذا الانجذاب الغامض (الطارىء) تولد الرغبة الجامحة بتمديد لحظات السعادة العابرة بمحاولات مريرة يائسة للحفاظ على العلاقة كما كانت في حالة البداية. ولا يتم الاعتراف بعدم جدوى هذا الوقوع (المتعب) في الحُبّ ولا تُولد البصيرة باتجاهه إلاّ بعد مرور وقت طويل قد يمتد لسنوات، قد يكون نتاجها زواجًا فاشلًا، أو علاقة تحت الأرض قد تقتل الشخص بسريّتها، أو سقوطًا أُسريًا أو اجتماعيًا أو أكاديميًا أو وظيفيًّا أو مهنيًا أو حياتيًا أو علائقيًا (مدويًّا)، ويقود (الاندفاع) في هذه الحالة وغياب الحكمة إلى حيث لا ينفع الندم..

فالحُبّ الحقيقي؛؛ هو واقع ملموس، ناجح، مُريح، مُحفّز، داعم، مُتطور، صامد، صادق، تبادلي وتوافقي بامتياز، أبدي، مُطوّر قدُمًا، غير مشروط، والأهم هو (علني لا سرّي). فهو (ليس) وهمًا أو تعلّق مرضي، وليس حُبًّا للتملك أو الاحتكار، وليس حُبًّا من طرف واحد، وليس ضبابيًا، وليس مناقضًا للحكمة والبصيرة أو قواعد الأخلاق.. أما الحُبّ المصوّر في الأفلام الرومانسية والمسلسلات التركية والهندية والروايات فهو غير واقعي البتّة، ويشبه نسبيًا حالة وهم الوقوع في الحبّ، فيسقط عند أول محكّ في الحياة وتهزّه أية ريح عاتية. وقد يتحول إلى حالة كُره شديد في بعض الحالات ويتبعه الرغبة الجامحة في الأذى والانتقام للأسف الشديد. فلا تصدّقوا تلك الأوهام بأن الحُبّ لا يكون حُبًّا إن لم يكن مليئًا بالدموع والفُراق والعذاب والذُلّ فهذا كلام فارغ وبعيد عن الواقع، ولا تصدقوا أيضًا أن الحُبّ يحدث فجأة دون سابق إنذار ولا يخضع لقانون الأخلاق!! فالمقدمات العقلية للحُبّ دائمًا حاضرة وتسبق دومًا تيار العواطف الجارف إما في الوعي أو اللاشعور..

فإذا لم يسمو بك الحُبّ الحقيقي للأعلى، وأشعرك بالسعادة، وزاد إقبالك على الحياة، وطورك للأفضل، ومنعك من السقوط (الأخلاقي على الأقل)، وحسّن علاقاتك، وزاد من إنتاجيتك لا يكون سوى وهمًا محضًا لا حُبًّا على الإطلاق. وهذا بالطبع لن يتمّ إلاّ مع (الشخص المناسب) وفي الوقت المناسب..

صحيح أنه في الحُبّ قد يكون هناك شيئًا من الجنون ولكن من الضروري أيضًا أن يتولّد من جنون هذا الحُبّ شيئًا من الحكمة..

وأختم كلامي بالتوكيد على كلام نزار قباني هنا مرّة أُخرى: اختاروا الحُبّ أو اللاحُبّ فلا توجد منطقة وسطى بينهما على الإطلاق.. فالحُبّ الحقيقي كحُبّ الوطن تمامًا لا وسط فيه أبدًا؛؛ فإما حُبّه والذود عنه مهما قست الظروف، أو اللاحُبّ وبيعه بسهولة، فلا وسط في حُبّ الوطن… الحُبّ الحقيقي يشمل الحُبَ وأشياء أُخرى…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !