عراك الفيسبوك (الوطني)

عراك الفيسبوك (الوطني)
2٬151 مشاهدة

إذا كانت الوطنية المُشتقة من كلمة (وطن) تعني اجتماع الجميع تحت جنسية دولة واحدة، يُدينون لها بالولاء والانتماء والحُبّ، فإن الوطنية الحديثة (وطنية الفضاء الإلكتروني) أضحت تعني (اسم) المستخدم على موقع الفيسبوك و(جيش) المُتابعين والمُصفقين على الصح والخطأ في آن. لم يعُد الولاء للوطن هو الإطار المرجعي الوحيد عند الحديث عن همومه ومشاكله، بقدر ما هو دعم للاسم الأخير أو الأول – لا فرق – أو تبادل المصالح (الشخصية) على حساب الوطن للأسف الشديد.

من المعلوم أن الوطنية تربط وتجمع أبناء وبنات الوطن الواحد على حُبّه، وتقوم دعامتها على دفاعهم عنه ضد أي قوة داخلية أو خارجية تحاول إيذائه، ولكنها تحوّلت في عصر الفضاء الإلكتروني ولا سيّما (الفيسبوكي) إلى مدى قوة العلاقة الشخصية أو العائلية ومستوى التفاعل بينهم على صفحات الفيسبوك. أمسى الولاء للأشخاص لا للوطن بكل حسرة، ولعلّ الأحداث الأخيرة على وجه الخصوص في جميع وسائل التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بقضايا الوطن حامية الوطيس خير دليل على ذلك.

الوحدة الوطنية من المفروض أن تقوم على ذات المبادىء والعادات والتقاليد ضمن مساحة الجغرافيا التي تجمع سُكّان الوطن فوق سطح الأرض، وتربطهم بوحدة الهدف والمصير، وتدوم بدوام الحياة. أصبحت تعني حاليًا (المساحة الفضائية) التي تجمعهم في العالم الافتراضي وما يُصاحبها من مشاعر (إلكترونية) زائفة هشّة تنتهي بانتهاء التسحيج والمجاملة بعد انتهاء المصلحة الشخصية، وحدة هذا الفضاء لا تتعدّى ثُنائية ممجوجة لا غير؛ فإما (رحمنة) فلان وفلانة أو (شيطنة) علاّن وعلاّنة.

كانت الوحدة الوطنية أينما تحلّ تختفي كافة الشرور والخلافات والأحقاد والعنف والعنصرية، وتسود أجواء المحبة والتسامح والتكاتف والتآخي والتعايش. باتت الوحدة الوطنية تعني الآن (الفزعة الفيسبوكية) لشخص أو أشخاص من ذات العائلة أو ذات العشيرة على خطأ كانوا أم على صواب، فتتوحد الآراء ضد آخر أو آخرين حدّ اغتيال الشخصية اجتماعيًا لا لشيء إلاّ لأنهم يحملون آراء مختلفة وإن كانت أكثر صحة.

مفهوم الوطنية العميق الذي من البديهي أن يُولّد لدى الأشخاص شعورًا بالانتماء اتجاه الوطن من خلال العمل المُنتج أو إتقان العمل على أقل تقدير، والالتزام بساعات الدوام، وخدمة الجمهور، وغير ذلك من احترام لقيمة العمل وثقافته. أصبح الطابع الغالب على العمل المُنتج في هذا الفضاء الإلكتروني هو (التسمّر) أمام الشاشة خلال ساعات العمل الرسمي (مدفوع الأجر)، خوفًا من أن يفوتهم أي بوست أو تعليق خصوصًا في حالات (الاشتباك الفيسبوكي) حول القضايا الوطنية الساخنة، وذلك لضرورة المتابعة أول بأول قبل حذف أي بوست أو تعليق من أجل التحضير لِما يلزم من (الردح الفيسبوكي) من قِبل جمهور الفزعة الفيسبوكية، غير آبهين بإنجاز العمل أو إتقانه خلال ساعات العمل الرسمي، وقد يمتدّ الأمر بعد انتهاء الدوام أثناء قيادة السيارة.

كيف سيُخلص لنا الوطن إن لم نُخلص له في احترام ساعات عملنا أو إتقانه بأقل تقدير؟؟ كيف سيُخلص لنا إن لم نطوّر أنفسنا وننهض بمجتمعنا و(نتوحد) لصالح الوطن فقط لا لصالح أشخاص حتى وإن كانت وحدة افتراضية ؟؟ احذروا يا أولي ألباب الفيسبوك؛ رؤوس الفتنة ومروّجي العنصرية والجهوية والتطرف والإرهاب أصبحوا أكثر قربًا منّا في هذا العالم الافتراضي؛ فلا يحتاجوا للتواصل لنشر سمومهم العفنة على مستوى واسع سوى بكبسة زرّ.

هل الوطنية هي الاكتفاء بنشر وتشيير البوستات الإنشائية السامّة عن مشاكل الوطن؟؟ هل هي بإسقاط الغضب على الآخر الأضعف أو المختلف والمنافسة في الردح وقصف الجبهة دون الحديث عن الحلول؟؟ أم هي تتلخص في واجب الوطن اتجاهنا دون أن نقدم له أو حتى المساهمة في حلّ مشاكله المتفاقمة ؟؟؟؟ بالتأكيد الجواب هو (لا) طبعًا؛ علينا تقديم الكثير الكثير من العمل الجادّ المُتقن، والإنتاج للصالح العام لا لأغراض شخصية، والإخلاص والتفاني، للنهوض بوطننا والفخر به، ولن يتحقق ذلك على صفحات الفيسبوك فقط وإن كانت وسيلة للتنفيس والتواصل (الإيجابي) لا السلبي القبيح الفجّ، ولا بإثارة الحقد والكره والبغض، أو (التجييش) ضد الآخر دون النقد الذاتي الصريح (للأنا) المتخومة بالكسب أحادي الجانب.

العتب واللوم لِما نحن عليه وما وصلنا إليه لا يقع (فقط) على الحكومة الحالية أو الحكومات السابقة وحتى اللاحقة، ولا يقع كذلك على مجلس النواب لوحده، أتدرون لماذا؟؟ ببساطة شديدة لأن الحكومة – أيّ حكومة – هي نحن جميعًا؛ فمن هي الحكومة والبرلمان أصلًا ؟؟ هي من عائلاتنا وأقاربنا وأنسبائنا وأهلنا وعشيرتنا!

إذا أردتم التنبؤ بسلوك أي مسؤول بموقع مأمول كرئيس وزراء مثلًا أو وزير أو نائب ومن يوازيهم أو أقلّ، انظروا إلى سلوك ذلك الشخص في مداراته الضيقة، أي كيف يتعامل مع أُسرته الصغيرة وعائلته الكبيرة وأقاربه وعشيرته، عندئذٍ ستعرفون كيف سيُدير الوطن وأزماته وكيف سيتعامل مع مواطنيه وهمومهم وحاجاتهم. كيف لقاطع رحمه مثلًا أن يتعاطف مع الآخرين ويصلهم؟؟ أليس الأقربون أولى بالمعروف؟؟ فما بالكم بالأبعد الذين لا تربطهم به صلة الدم أو القرابة؟؟ ماذا يردع من يأكل لحم أخيه ويأذيه ويغتاله اجتماعيًا أن لا ينهش لحم الوطن ولُحمته ؟؟ كيف لِمن سرق مال أخته أو أخيه أن لا يسرق مال الوطن ؟؟ الأخلاق والوطنية لا تتجزأ، ومن يهُن يسهل الهوان عليه ولن ينظر أبعد من خشمه في أمور الوطن، ولن يُهمّه سوى مصالحه الذاتية الخالصة. تخيّروا من يُمثّلكم بحذر فإن العرق دسّاس؛ وكما تكونوا يُولّى عليكم.

تلك هي (بعض) من المعايير التي يجب الاعتماد عليها عند اختيار نوابنا وتقييم أداء وزرائنا وتقويم حكوماتنا المتعاقبة؛؛ السلوك (الشخصي) قبل الاختيار والسلوك (الوطني) بعد الاختبار.

ما حدث ويحدث حتى اللحظة الراهنة بكل أسف هو الدعم المطلق للاسم الأخير على حساب مصلحة الوطن والمواطن، على الرغم أن النائب أو الوزير بعد التكليف من المفروض أن يُمثّل الوطن بكافة محافظاته ومناطقه وعشائره وعوائله، لذلك اقترح هنا استبدال الاسم الأخير باسم (وطن) بمعنى أن يصبح اسم أي مسؤول بعد تولّيه المنصب هكذا: (فلان.. وطن)، ربما وقتئذ يكون تقييم الأداء للمسؤولين أكثر موضوعية وبعيدًا عن الدعم المطلق للاسم المتشابه أو النقد المطبق للمختلف. كل ذلك بالطبع يحدث على الفيسبوك وإخوانه.

أتوجه بسؤال بمحض الإجابة إلى أولئك الذين يُطالبون دومًا بإسقاط مجلس النواب والحكومة أو تغييرها!! ماذا ستأتي أي حكومة جديدة أو برلمان بشيء مختلف عمن سبقه إن بقي عقل الشعب الذي يتعامل معها ويقيّمها بالدعم أو بالرفض هو ذاته ؟؟ هل طرح الثقة أو حجبها بذات العقلية لها أثر على أي حكومة أو برلمان؟؟ لذلك استغرب جدًا ممن يطالبون بتغيير الحكومات لأن الفرق في كل مرة لن يتعدّى أن أقارب من فيها – أي الحكومة الجديدة – يسكتون لتبدأ حلقة أقارب آخرين جُدد من منطقة أُخرى بالانتقاد !!! عندما ننتقل من التعامل على أُسس ضيقة وننسى أن ذلك الوزير أو هذا النائب هو من عشيرتنا، وننظر له أنه (موظف وطن)، عندها فقط سنرتقي وننهض وتتحسن أحوالنا وربما يزول الفساد والله أعلم.

بالمقابل، من المُعيب ومن العار أيضًا تقزيم أي شخص واختزاله إذا أخطأ مرة وقد أصاب مرّات، فلِكُلّ جواد كبوة، وكبوة واحدة لا تلغي ماضٍ مليء بالعطاء والثراء الوطني والأخلاقي. ما يحدث حاليًا من تصيّد الأخطاء للقلّة الشريفة وفضحها عبر الفضاء الإلكتروني هو أسوأ ما قد نصل إليه، هل هذه هي الوطنية؟؟؟ تلك السلوكات بعينها هي من تدفع مثل هؤلاء الشرفاء للإحباط وفقد الأمل، وهنا في هذه الحالة على وجه الخصوص من السهولة جدًا إسقاط تلك الشخصيات وتحويلها لمشروع أناني جديد أو فاسد آخر.

ولا بدّ أن ننوّه أيضًا بأن الخلط بين الانتماء للوطن وبين انتقاد المسؤولين هو خلط ساذج؛ فالمسؤول مهما كان حجمه مُعرّض للنقد والمُساءلة ما دام قد قٓبِلٓ تولّي هذه المسؤولية الجسيمة لخدمة الوطن ومواطنيه.

الوطنية لا تعني أبدًا التناحر أو التوافق على الفيسبوك، ولا تعني أيضًا التعنصر لشخوص وأصول، أو التعصب للعشيرة أكانت ظالمة أم مظلومة مُستحِقّة أم غير مُستحِقّة؛ فهذا خطأ فادح بل هي إساءة وجريمة بحق الوطن قبل الحق الشخصي.

أقبح ما نحن عليه حاليًا هو المزايدة على الوطن في العالم الافتراضي، والحكم على الناس وتصنيفهم إلى وطنيين أو فاسدين بناء على بوست أو لايك أو شير أو جروب متعاضد ضد الآخر، والأسوأ هو حكر الانتساب أو الانتماء للوطن لفئة معينة أو محافظة ما في حين أن الوطن للجميع وأمانه هو أماننا جميعًا.

إذن دعونا من الحرب الفيسبوكية والعراك الوطني على صفحاته، ولنوقف إصدار الأحكام وتوزيع التصنيفات وإلصاق الاتهامات، وبدلًا من هذا (الهراء الافتراضي) فلنركز ولنسعى لِما هو في رفعة هذا الوطن بأمانة وصدق، بفعلٍ لا قول أو شعارات فيسبوكية جوفاء. إن مفاهيم ومفردات النقد والذم والردح والتمرّد والثورة ثم حلّ تلك المشاكل نفسها بذات الطريقة (فيسبوكيًا) لن يفيد الوطن بشيء، وسنبقى نراوح مكاننا حتى وإن تغيرت الحكومات والبرلمان كل يوم.

جميل أن نكون نشطاء فاعلين ووطنيين في هذا العالم الافتراضي، ولكن الأجمل هو أن نزرع في أطفالنا وفي جيل الشباب الصاعد والشاهد علينا حُبّ أوطاننا، ونعلّمهم كيف يكون حُبّ الوطن في العالم الحقيقي قبل الافتراضي، ولا نعلّمهم حُبّ الفزعة لشخص أو لقريب إن كان مسؤولًا وإنما للوطن وللوطن فقط، ومن الواجب أن نبعدهم كلّ البعد كذلك عن الخوض بكل ما يزرع في نفوسهم الصغيرة وعقولهم البريئة من تمييز لهم عن غيرهم في الدين أو الجنس أو الجنسية أو المنطقة أو الجهة أو العشيرة.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء (الذات الوطنية)، فلنبدأ بأنفسنا ودوائرنا الضيقة ليتعمم ذلك على جميع الوطن، فما هو الوطن إلاّ بمواطنيه !!! لعلّ هذا يُثبت للقاصي والداني أن الهوية الذاتية هي (إنسانية) بالدرجة الأولى ثم وطنية وتاجها هو القومية.

لست أتشدّق هنا بوطنيتي فكثيرون غيري هم مثلي، نريد لوطننا أن يكون دائمًا في المقدمة؛ فكما قال الشاعر القرشي:- “بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام”.

دائمًا وأبدًا هناك للحديث من بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !