رفقًا بنا ٢٠١٨

رفقاً بنا ٢٠١٨
870 مشاهدة

لا يولد الإنسان في اليوم الذي تضعه أمه، بل يولد بنفسه مرارًا وتكرارًا مجبورًا من ضغوط الحياة وبُناتها وكدرها، فتصله (الحِكمة) إما متأخرة أو بثمنٍ باهظ، وقد تصل أحيانًا عندما لا تنفعه في شيء، والمحظوظ من أدركها قبل فوات الأوان. وبما أن الحِكمة وصلتنا متأخرة وربما لم تصِل بعد، نتمنّى أن تكون بداية العام الجديد مع بداية تموضع الحِكمة والبصيرة في عقول العرب جميعًا.

في بداية كُلّ عام نتأمّل أن يكون أفضل من سابقه على مستوى شخصي ووطني وعربي على حدّ سواء، لعلّ الحال العربي في الوقت الراهن هو ما يشغل بال الكثيرين (الشرفاء) على أقل تقدير بعد أن سُلِبت منّا القُدس العربية، رُغم أنها في عقلنا الجمعي وضميرنا جميعًا ستبقى عربية وعاصمة فلسطين الأبيّة.

أعوامٌ متشابهة بالبؤس مضت عام تلو عام، والتغذية الراجعة منها أظهرت أن لعبة (الروليت) العربية تتوقف عند ذات الرقم وتكرر ذات الرابحين بفجاجة مُضحكة، وأن النهايات المفتوحة للاحتمالات لا تقتصر على (الأفلام) بل وبشكل فريد على العالم العربي فرديًا وجمعيًا. وهنا على وجه الخصوص يتراجع دور الوطن في الخارج في ذات الوقت الذي يتراجع فيه دور المواطن في الداخل.

الغموض يلفّنا من الرأس إلى القدم، وهذا ما يؤكد بوضوح أن ما يحتاجه الوطن العربي في المرحلة القادمة هو “ثورة نفسية” قبل أن تكون ثورة اجتماعية مطالبية. فالثورة النفسية مطلوبة جدًا حاليًا لتحقيق تغيير جذري في الذهنية العربية؛؛ في البُنية المعرفية، وفي القيّم العليا، وفي المبادئ والأخلاق، وفي ايديولوجية الحياة.

عندئذ تصبح الثورات الاجتماعية وإفرازاتها (شرعية) بما يعكس الوعي الحقيقي لمطالب الإنسان العربي وليس (الوعي الزائف) القائم على المحاكاة والتلقين والإذعان المُهين. ما نحتاجه حقيقة في الوطن العربي الآن وما نرنو إليه حقًّا هو (جنوحًا) عربيًا ووطنيًا على: الجهل، والتخلّف، والفقر، والحقد، والحسد، والجهوية، و(الطائفية)، والعنصرية، وجنوحًا أكبر على الأنانية، واحتكار السُلطة، وعلى الفساد الأخلاقي والمالي والإداري.

نُريد تمرّدًا عربيًا أصيلًا على (التطرّف والطائفية)؛؛ على كُلّ مَن يعتقد أن الدين له وحده يُحرّم ويُحلّل كما يشاء، وعلى كُلّ مَن يعتقد أنه في الوطن وحده أو أن الوطن له وحده، وعلى كُلّ مَن يعتقد أن رأيه دائمًا هو الأصوب وهو الأوحد والوحيد لا قبله ولا بعده.

لا نُريد في هذا العام الجديد وطنًا في القلب وآخرًا للجيب، نُريد وطنًا في الفِكر والقلب والوجدان سلوكًا وممارسة بعيدًا عن الفساد والإفساد، فالناموس الأخلاقي العربي والوطني الذي كان سائدًا في العام المُنصرم وما قبله، إن استمرّ سائدًا في هذا العام أيضًا، سيقود في أحسن الظروف إلى الفرقة العربية وتمزّق النسيج الوطني بين كافة شرائح المجتمع وأطيافه، وإلى انهيار البُنى التحتية والمنظومة الأخلاقية في أسوأ الظروف، أما الأسوأ على الإطلاق لا أن نكون في نظر الأغيار (أضحوكة) فقط، بل عندما تستحقّ علينا (الشفقة).

نُريد وطنًا قلبًا وقالبًا؛ لا نُريد أن نصِل لمرحلة – لا سمح الله – ونبكي كالبواكي ونقول كما قال معروف الرصافي:- “كان لي وطن أبكي لنكبته، واليوم لا وطن لي ولا سكن، ولا أرى في بلاد كنت أسكنها إلاّ حُثالة ناس قاءها الزمن”.

(الحِكمة) تقتضي ألاّ نستهين ببصيص النور حتى لو انبعث من شقّ؛ فرفقًا بنا أيها العام الجديد وكُنْ مختلفًا عمّن سبقوك، أرجوك.

كُلّ عام والوطن العربي وأردننا بألف خير، عسى أن يكون عامًا جديدًا يحمل السلام والأمن والأمان في طيّاته للجميع. سلامٌ خاص لكِ يا قُدس وكل عام وأنتِ عربية وعاصمة فلسطين (الوفيّة) لكِ وللعرب جميعًا.

في اليوم الأول مع بداية هذا العام نتمنى أن تكون بقية الحديث مدعاة للتفاؤل… دمتم.

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !