الحشرات الإلكترونية

الحشرات الإلكترونية
1٬556 مشاهدة

من المعلوم أن الحشرات تضم عدد لا بأس به من الأنواع الشبيهة، ولكن كلمة حشرة في التوصيف الاجتماعي نستخدمها بالعادة كدلالة سلبية، وكنوع من الإهانة عند وصف شخص بالوضاعة، عندما يصل لمستوى الأرض بالدونية كمستوى تلك الزواحف أو الحشرات كثيرة الأنواع..

بغض النظر عن توقيت ومُناسبة ظهور مُصطلح “الذباب الإلكتروني” في العام المُنصرم في مجال الإعلام الرقمي، كمدلول على القاذورات التي تنتشر كلمح البصر على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتناقلها الجميع دون تمحيص أو حتى دليل، انطلاقًا من أن “الذباب” لا يأتي إلاّ على النفايات والروائح الكريهة ومُخلّفات البني أدميين، على الرغم أن الذباب أقل ضررًا على الصحة من أنواع أُخرى من الحشرات، لذلك وجب تسمية ما يُسبب الضرر بالصحة العقلية والنفسية واغتيال الشخصية (بالحشرات)، فذلك الوصف أشمل وأجمل بأولئك المُتطفّلين على حياة الآخرين، والمدّعين، ومزوّري الحقائق، وكذلك المدعومين من جهات أجيرة ومأجورة بذات الوقت، للنيل من شُرفاء الوطن في حين أو إسقاط صغار الفاسدين في أحيان أُخرى، أمّا الأسوأ من الطرفين على الإطلاق أولئك الجهلة الذين يتناقلون الأخبار ويتداولونها على صفحاتهم دون دليل؛ فيُساهموا بذلك بمُساعدة “الحشرات الإلكترونية” دون عناء أو حتى طلب، وهذا لا ينفِ بالطبع وجود الكثير من الجيوش الإلكترونية ذات “الفزعة” للانتشار كالحشرات بأمر من قادة تلك الممالك الحشراتية..

الحشرات الإلكترونية هي حُزمة من الحسابات الآلية المُزيّفة منها أو الحقيقية على حدّ سواء، تلك التي تعمل بالريموت كونترول بعد برمجتها للانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي جميعها دون استثناء، وذلك من خلال منشور مُعيّن، بهدف التأثير في الرأي العام وتوجيهه نحو هدف مُحدّد، أو صرف الانتباه عن أمر هام، وتوجيه الأنظار نحو موضوع سخيف بعيدًا تمامًا عمّا يحدث في الوطن، وربما لتهميش شخص ما وتحجيمه أو تحذير آخرين من خلاله، أو لتهميش قضية وطنية هامّة، كُلّ ذلك وأكثر ما تقوم به الحشرات الإلكترونية..

منهجيّة عمل تلك الحشرات الإلكترونية هي فرض سياسة الأمر الواقع، بمعنى أن الانتشار المهول (المزيّف) لفِكرة أو إشاعة (ما) هو للتأكيد على أنها تُمثّل رأي الأغلبية، ولكي تنجح هذه التقنية العفنة لا بدّ أن يكون لها أذناب من الحسابات المُزيّفة الكثيرة جدًا جاهزة التنفيذ عند الحاجة، وفي بعض الحالات حتى تكون مُقنعة وموثوقة أكثر يكون لها حشرات ذات أسماء حقيقية ومعروفة خصوصًا من (الانفلونسرز) المشهورين، أي (مؤسّري ومؤسّرات) السوشيال ميديا حسب تعبيرهم اللغوي (الركيك) بالعامية.

ما تقوم به الحشرات الإلكترونية من قمع للآراء المُعارضة والمسموعة على وجه الخصوص هو أسوأ بكثير ممّا كانت تقوم به الأنظمة الشمولية القمعية، أتدرون لماذا؟؟ لأنها أسرع انتشارًا وأسهل استخدامًا وأكثر تأثيرًا للأسف الشديد؛ فانتشار الحشرات كالجراد أو كالتّتار للهجوم على رأي أو فِكرة أو حتى شخص يقضي عليها على الحارك، وذلك من شِدّة تأثير (سموم) تلك الحشرات التي تنقل القُمامة وميكروباتها الإلكترونية في أيّ موقع تحطّ فيه، سواء من خلال عدد الإعجابات المسمومة، أو التعليقات ذات الرائحة الكريهة، أو عدوى إعادة نشر المنشور بأعداد كبيرة جدًا، الأمر الذي يستلزم حينئذ إعلان حالة الطوارىء (افتراضيًا)، وقد يحتاج الأمر أحيانًا إلى “الحجر الصحي” حمايةً للوطن ومواطنيه ممّا تنفثه تلك الحشرات الإلكترونية في العقول والنفوس من مواد سامّة..

لا يقتصر عمل تلك الحشرات الإلكترونية في المجال السياسي فحسب، بل تعدّته إلى الدخول لِما وراء الأبواب الموصدة، وقد تصل أحيانًا إلى غرف النوم، وهنا أكاد أجزم ولست اعتقد أن المُجتمع العربي هو الشبكة الأكثر جذبًا  لانتشار تلك الحشرات الإلكترونية، ويعود السبب في ذلك إلى زيادة كمّية القاذورات والنفايات البشرية والإلكترونية على حدّ سواء، ولا عجب هنا إن بقي مُسلسل (التخلّف) هو الأبرز في الفضاء العربي سواء للترويج أو للتهميش، لا فرق..

الشعار الذي تعتمده تلك الحشرات الإلكترونية هو “التكرار يعلّم…… الشطّار”؛ فتكرار رؤية خبر ما على جميع وسائل التواصل وكثرة انتشاره يوهم المُتلقّي بأنها الحقيقة، ومن باب الإيحاء ثم التقليد والمُحاكاة يقوم الشخص بدوره بإعادة نشره، اعتقد الآن وجب على عُلماء النفس والاجتماع بتطوير نظريّات جديدة لدراسة “الميكانيزمات الافتراضية الدفاعية” كتلك الميكانيزمات الدفاعية النفسية الحقيقية..

في الخِتام وفي هذا المقام استحضر بيت للمتنبّي عندما قال: “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمَعَتْ كلماتي مَن بهِ صممُ”..

وشتّان بين جمال ما باح به من سبرَ أغوار النفس البشرية (المتنبّي) وما بين خطورة ما تقوم به الحشرات الإلكترونية، ولكني أوردتُ التشبيه هنا لإبراز عُمق أثر الكلمات؛ فالمتنبّي الذي قادت كلماته – مجازيًا – من عُمقها الأعمى للإبصار والأصمّ للسمع، وبخِلاف الرقيّ في الطرح وواقعيته، إلاّ أن تأثير تلك الحشرات تفعل ذات الفِعل، والفرق هنا، هو غياب البصيرة والمصداقية والعُمق… والباقي عندكم….

وبما أننا في عصر السوشيال ميديا، فلا بدّ أن يكون لنا من هذا الحديث بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !