تجارة الإشاعات

تجارة الإشاعات
1٬628 مشاهدة

تسوّل الإشاعات هو مُسلسل (التخلّف) الأبرز في الفضاء الإلكتروني حاليًا، فغدت التجارة في الإشاعة مُجدية جدًا لبعض (المُرتزقة)، وأمسى تلويث سُمعة الآخرين (زورًا) وابتزازهم مصدر رزقهم الوحيد، إلى الحدّ الذي غدا شِعارهم بدلًا من “لله يا مُحسنين” إلى (إشاعة يا مُسيئين)، هكذا هي تجارة الإشاعات في الفضاء الإلكتروني، أو بالأحرى (الشحدة الإلكترونية)، على حساب كرامة الوطن واستقراره، ولا أقول هنا على حساب كرامتهم الشخصية؛ لأن من يقوم بذلك حتمًا بلا كرامة ولا تهمّه الكرامة أساسًا، ويا للعار..

لستُ اعتقد بل أكاد أجزم أن المُجتمع في الوقت الحالي “يقتات” على الشائعات التي تُطال كُلّ شيء للأسف الشديد، فنشهد أسبوعيًا إن لم يكن يوميًا، شائعات كثيرة غير صحيحة على الإطلاق، قد تمسّ الحياة اليومية، أو بعض المسؤولين، أو الناجحين من الشخصيات العامة، وقد بدأت الشائعات مؤخرًا تأخذ طابعًا لم نعهده من قبل، حيث تعدّت جميع السقوف والخطوط الحمراء، الأمر الذي أجبر البعض على التبرير لدحض تلك الأقاويل المُفبركة بعناية فائقة.

وفي الأيّام القليلة الماضية على سبيل المثال، برزت على سطح الفضاء الإلكتروني شائعات قميئة مسّت كثيرٍ من شُرفاء الوطن، ومسّت الوطن ذاته، وهي من نوع (شائعات العنف) حسب التصنيف العلمي للشائعات، تلك التي تنتشر بسرعة البرق كانتشار النار في الهشيم، ويساعدها على ذلك وسائل التواصل الاجتماعي كافّة؛ لأنها تسرّع مشاركتها بين الناس وتداولها دون التأكد من صحّة هذه الأخبار المُلفّقة، الأمر الذي ينشر الذعر والغضب بين المواطنين، وأحيانًا السرور كنوعٍ من الشماتة من أعداء الوطن سواء من الداخل أو من الخارج، لا فرق.

وربما تجمع تلك الشائعات كذلك صفات الشائعات (الغائصة)، التي يتم ترويجها بشراسة ثم “تغوص” تحت السطح مؤقتًا، لتعود مرة أُخرى للظهور، حسب (مصالح) مُتسوّلي الإشاعات بعباطة مُلفتة للنظر، ولا تقتصر الرغبة في الإيذاء والابتزاز على تُجّار الإشاعات ومُروّجيها فقط، وإنّما قد يفوقهم في ذلك ناقليها ومشاركيها دون تمحيص.

كانت الشائعات سابقًا قبل رواج وسائل التواصل الاجتماعي، من نوع الشائعات (الزاحفة)، فكان تداولها سرًا وهمسًا – من تحت لتحت – وتحتاج وقت طويل لانتشارها، حتى تصل لمآربها في تلطيخ سُمعة شخصيات مُستهدفة بزيفٍ مُحكم، أمّا الآن اعتقد وجب على العُلماء إضافة تصنيف جديد لأنواع الشائعات السابق ذكرها هنا تحت اسم (شائعات الابتزاز الافتراضي)، مدفوعة الثمن لصالح تُجّارها المأجورين من كافّة الأطياف والمِهن.

المُفارقة في هذا النوع من الشائعات الافتراضية السريعة جدًا؛ أن عقول “تُجّار الإشاعات” لا تقلّ غباءً وسوءًا وفجاجة عمّن يتناقلوها على صفحاتهم، كالببّغاء دون دليل، لا لشيء سوى الشعور بالوجود الافتراضي، وتقليد (المؤسّرين والمؤسّرات) في السوشيال ميديا – مع تبديل حرف السين بالثاء – فحتى لُغتهم ركيكة كنفسيّاتهم المريضة جدًا حدّ “العفن الأخلاقي” لا العقلي فقط.

ونُجيب هنا على أولئك الذين يتذرّعون بمقولة (لا دخّان بدون نار)، ونقول لهم أن دخان الخبر يشبه تمامًا اختزال الآية الكريمة (ولا تقربوا الصلاة)، فعند إخراجها من سياقها هل تحمل المعنى الحقيقي والرسالة التي أراد الله سبحانه وتعالى إيصالها لعباده؟؟ الإجابة قطعًا لا، وهذا هو الدخّان الذي يتخفّون في ظلّه عند تهويل وتعظيم أي خبر بعد إخراجه من “سياقه” وفبركته لِمصالحهم المُغرّضة ومصالح المأجورين المُرتزقة.

كم من شائعة زائفة كزيف مُروّجيها وناقليها على حدّ سواء دمّرت مُجتمعات وهدّمت أُسر وفرّقت بين الأحبّة وأشعلت نار الفتنة بين الأصفياء؟؟ كم أحزنت قلوب وأولعت أفئدة وأورثت حسرات؟؟ كم أقلقت الأبرياء وحطّمت العظماء وقضّت مضاجع الشُرفاء؟؟ وكم فسّخت وشائج وحدة مداها التاريخ ؟؟ ألاّ يكفيكم هذا الكمّ من الخطايا المُعلّقة في رقابكم إلى يوم الدين؟؟

إليكم أيّها الصغار جدًا بسلوككم لا بأعماركم، وأيّها الأقزام بأخلاقكم لا بطولكم، لا يُليق بِكم سوى “قانون الجرائم الإلكترونية”، رغم إجحافه بحقّ الأقلام الشريفة، أمّا أنتم يا أصحاب الصفحات والمنصّات الصفراء وقراصنة العالم الإلكتروني والأقلام الموتورة، فذلك القانون مُصمّم على أحجامكم، ولا يُليق إلاّ بِكم وبألغامكم المعنوية وقنابلكم النفسية ورصاصاتكم الطائشة كطيش عقولكم، كفاكم عبثًا بالوطن ومواطنيه..

وإليكم أيها الشُرفاء، لا تقعوا فريسة لأحابيل وألاعيب المُنافقين أعداء الوطن، لا تُشاركوا على صفحاتكم أي أخبار إن لم تكن من مصادر موثوقة، لا تساعدوا أولئك المُرتزقة من تُجّار الشائعات إثارة الفوضى والبلبلة في الوطن، لا تعطوهم فُرصة لإشغالكم وصرف أنظاركم عن قضايانا الهامّة وهمومنا الفعلية، لا تعاونوهم على ضرب الاقتصاد الوطني وشحن القنوط أكثر ممّا هو موجود.

وإليكِ يا حكومتنا الرشيدة؛ البيئة الخصبة لترويج الشائعات هي بيئة الفقر والبطالة والعوز والجوع والفراغ. أمّا غياب حضوركم الدائم ونُقص المعلومة من طرفكم، وتأخّر تصريحاتكم عند وقوع الحدث، وغياب الرواية الرسميّة “الموحّدة” من قِبل المؤسسات المعنيّة، هو ما يُسهّل التأويل والاجتهاد وترويج الإشاعات، والباقي عندكم.

ونحن جميعًا وإياكم نعلم جيدًا أن خطر الإشاعات أشدّ على الوطن من حرب الإرهاب ومواجهة الأعداء. لا نُريد مِنكم الاكتفاء بنفيها ودحضها وتكذيبها فقط، وإنّما نُريد مِنكم التسبيق بالمعلومة “الصحيحة” لتفويت الفُرصة على تُجّار الإشاعة من جرّ الشعب للانجراف وراءهم.

نُعاني اليوم من (الاحتباس الحضاري) لا الحراري، بسبب التلوّث الأخلاقي، الأمر الذي زاد من نسبة ثاني أُكسيد الحماقة في الجوّ العام، فارتفعت درجة حرارة الجهل والغباء والتخلّف إلى الحدّ الذي لم يعُد هناك جدوى من أيّ خافض للحرارة، ولا حتى أي مُسكّن للتخفيف من وجع الالتهاب البشري ودمل قيحه ذي الرائحة الكريهة..

وفي الخِتام أقول لهؤلاء وإن كان ذلك كلاشيه معلوك، عسى أن يصل عقولهم الصدئة؛ لا يطلق الشائعة إلاّ الجُبناء، ولا يُصدّقها إلاّ الأغبياء، ولا يستفيد مِنها سوى أصحاب الوجوه الصفراء، ولا يُحاربها ويقف في وجهها سوى الأذكياء الشُرفاء..

والخيار لكم يا روّاد وسائل التواصل الاجتماعي، اختاروا ممّا سبق ما يُليق بِكم وبأخلاقكم، وتذكّروا قول الله تعالى “والفتنة أشدّ من القتل”، “إن الله لا يُحبّ الخائنين” صدق الله العظيم..

طالما نعيش في ظِلّ هذه “الأزمة الأخلاقية” وتجارة الإشاعة، من المؤكد أن يكون لنا من هذا الحديث بقية…. دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !