تزاوج لاشرعي (سياثقافي)

تزاوج لاشرعي (سياثقافي)
1٬745 مشاهدة

السياسة والثقافة هما قطبا المُجتمع العربي، نعيمه وجحيمه، مجده وخزيه، ولا مناص من الفصل بينهما، فإن زالت إحداهما زالت الأُخرى، فيختفيان معًا..

التناقض هو السِمة الأبرز للثقافة الرفيعة، فوجود أفكار مُتضادّة وانتشار الثُنائيات يُشير إلى “الوعي” الثقافي الحقيقي لا (الزائف) للمُجتمع، ويُضفي له جمالية أفكار “الكبار” وليس لغو “الصغار”، وفي هذه الحالة على وجه الخصوص تُمسي المُشاركة السياسية والوصول للمنصب ليس بدافع الرغبة في قنص المكاسب، ولا حتى بدافع الوصولية والانتهازية كما يحدث في الحقبة الآنية، وإنّما بسبب الذكاء الشديد وتنوّع الفِكر، فلا يوجد شيء في الواقع – حقيقًة لا مجازًا – يستنفذ مجهودًا فِكريًا أكثر من توخّي الحجج لتبرير (اللافكر). ولكن ما يحدث على أرض الواقع مُعاكس لهذه الصورة المُشرقة وإن كانت تلك المرغوبة من السواد الأعظم، فيظهر ذلك وكأنّه يوتوبيا المدينة الفاضلة… فلنعُد إذًا للواقع.

ولعلّ المقولة الشعبية التي مفادها “دخول الحمام مش زيّ خروجه”، أفضل توصيف عند دخول المُثقّف العربي ساحة السياسة والتزاوج الذي يحدث بينهما، فهو حتمًا سيخرج بصورة مغايرة تمامًا لوقت دخوله، لأنّه يتصفّى اجتماعيًا بلا هوادة، وبغبطة شعبية، وبشكل منهجي للغاية، بمعنى آخر يُمسي المُثقّف “حليفٌ لامع” لحفّار قبره، وإن تأمّلنا جيدًا سنرى العديد من النماذج لذلك (التحالف) بين حفّاري قبور المُثقّفين والمُثقّفين أنفسهم بشكل جليّ، والأمثلة كثيرة، ورغم ذلك لا نجد مَن يتّعظ، كُلّ ذلك وأكثر فداءً لِ اللّقب لا فداءً للذات ولا حتى للوطن..

من المعلوم أن المُثقّف هو ذلك الذي يجول بين العقول ويتنقّل بين السطور ويؤثر في الفلول ويُعدّل المكسور، لا ذلك الحاصل على شهادة مختومة بتوقيع الجامعة فقط، وبعد أن كان قلمه يُعارك السيف من أجل الحقّ ورفعة الوطن ومواطنيه، ويعيش روح عصره ويُحلّل بعمق لتفسير ما يدور حوله ويُصلح المُجتمع عبر كلماته في بناء الرؤى وصنع الأفكار، أمسى قلم كثيرٍ منهم هو ذات السيف الذي يوجّههم حيث يريد ذلك التزاوج المُهين والمُعيب بذات الوقت، كُلّ ذلك من أجل إغراء المنصب وامتيازاته.

ولن يصحّ حديثنا هنا عن المُثقّفين دون أن نعرّج على ما أورده الصحفي والفيلسوف السياسي “أنطونيو غرامشي”، وما أكّده فيما بعد المُفكّر العربي الأصيل “إدوارد سعيد” عندما قال غرامشي: (إن جميع الناس مُفكّرون، ولكن وظيفة المُثقّف أو المفكّر في المُجتمع لا يقوم بها كُلّ الناس). كرّم الله إدوارد سعيد لأنّه مات قبل أن يشهد عملية التجميل القبيحة من قِبل مُثقّفي “قرون الصفعة” لبيع وطنه “فلسطين” بأبخس الأثمان وفي مؤتمر نخاسة، كان قد شهد اغتصاب وطنه في أول حياته ثم استباحته في نهايتها، أمّا بيعها شهدناه نحن بعده بلا أدنى خجل، رحمه الله..

وعودة مرّة أُخرى إلى (التزاوج السياثقافي) الذي يشبه الزواج العُرفي، الفرق بينهما أن الأخير سرّي للغاية، أمّا الأول فهو مفضوح حدّ الدهشة، وهي علاقة مسكونة بالمُلابسات ويحكمها الشكّ والريبة والتوجّس كذلك، وفي حال لم “يتأدلج” المُثقّف بالشكل المطلوب، ولم يلبس ثوبه السياسي المُفصّل على مقاسه، ولم يُخضع الثقافة ويُعيد إنتاجها وفق مصالح المنصب ورغباته، يكون بذلك قد حفر قبره بيده، أو ربما يخرج بلا دنيا ولا دين، ولكن نادرًا ما يحدث ذلك لمُثقّفي اليوم، ربما حُفرت القبور في الزمن البعيد جدًا للمُثقّفين الأقوياء وليس لمُثقّفي الأبواق.

وعطفًا على ما سبق، نقول لمُثقّفي السُلطة التي تُغريهم بحرير مقاعدها، ووفرة مالها، وإثارة مناصبها، اجعلوا علاقتكم معها في النور قبل أن ينكشف المستور في أقلّ تقدير، فذلك تزاوج غير شرعي، والخاسر الأوحد الوحيد حينئذٍ هو صاحب الفِكر، فلا تكونوا في “امتحانات” (الكرامة) والوطنية من الأغلبية (الساقطة)..

إمكانية “النهوض” في عقولنا ونفوسنا ونحن في هذا الحال هو حُلُم صعب وبعيد المنال، ولا يُمكن لأي مشروع لِ (النهضة) أن ينجح إن لم يُشارك المواطنون في تحديد مساره وتقرير مصيره بشكل حقيقي فاعل، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بعد شعورهم بأنّهم شُركاء حقيقيون في الوطن وليس (محفظته) المُمَوِّلة له فقط، وعندما يتوقّف المُثقّفون عن “خيانة” حسّهم النقدي ونَصّهم الإبداعي لصالح مقعد حرير أو منصب مُثير، وتمثيل (المسكوت عنه) ونبض الجمهور لا الديناصور، وهيهات..

هذه هي النهضة التي يُريدها المواطنون يا مُتعلّمين يا خرّيجي “هارفرد”…

من أجل النهضة النفسية “أولًا” والتي بدورها ستقود حتمًا إلى النهضة الاجتماعية بجميع أنساقها الكُلّية والفرعية على حدّ سواء، لا بدّ أن يكون لنا لهذا الحديث من بقية…. دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !