بُعبُع المرحلة

بُعبُع المرحلة
3٬533 مشاهدة

عندما كنّا صغارًا، كانوا يُخيفوننا بالبُعبُع السائد في تلك الفترة حتى نفعل ما يُريده “الكبار” ونخضع لرغباتهم ونُنفّذ أوامرهم، فكان الغول على سبيل المثال سابقًا هو (البُعبُع)، ثم انتقل إلى أبو كيس وبعده أبو ساطور وغيره الكثير بما يُناسب كُلّ مرحلة زمنية ومُتطلّباتها، وبقي الأمر كذلك حتى تطوّرت التكنولوجيا وثورة الاتصالات، فلم يعُد يُليق بهذه المرحلة بُعبُع الأساطير، فظهر لنا البُعبُع الذي يُناسب العصر الحديث وعقوله وهو (الإرهاب) وتفجيراته وأدواته التقنية المتطوّرة جدًا..

لو أمعنّا النظر في سيكولوجية الإرهابيين المُنتمين لتلك التنظيمات التي تقتل الأبرياء، نلُاحظ تلاشي الذات الشاعرة لديهم، وهيمنة الذات غير الشاعرة، ويتم توجيههم نحو غرض واحد؛ إمّا بالإغراء المالي أو العقائدي، أو بالتلقين، أو من خلال عدوى الأفكار والمشاعر والسلوك، ثم تحويل تلك الأفكار المُلقّنة لهم إلى أعمال إرهابية في الحال. هذه هي أهم السِمات النفسية للإرهابي في تلك التنظيمات “المصنوعة” بغضّ النظر عن عِرقه أو دينه، وفي تلك الجماعات الإرهابية أيضًا لا يعود الفرد كما كان، بل يصبح آلة تعجز إرادته عن قيادتها، ويُمسي مُسيّرًا كالروبوت الآلي ولكنّه “فاشيًّا” بامتياز. وقبل أن يفقد كُلّ استقلال فيه، تتحوّل أفكاره ومشاعره تحولًا ينقلب به الشريف إلى أثيم والنذل إلى بطل.

واتّفق هنا تمامًا مع طرح عالم النفس الشهير “جون هورغان” المُختصّ في علم النفس السياسي في كتابه المشهور (سيكولوجية الإرهاب)، وقدم به تحليلًا نفسيًا رائعًا عن التطوّر السيكولوجي لانضمام الأفراد إلى الجماعات الإرهابية أو تركهم إياها، وركّز هورجان على أربعة أنماط رئيسية في العقلية الإرهابية؛ أوّلها احتمال وجود “عقلية إجرامية” عند بعض الإرهابيين، ويأتي ذوبان الفرد في “العقل الجمعي” والهويّة الجمعية للجماعة الإرهابية بعده، أما النمط الثالث فهو “الترسيخ العقائدي” الذي يزرعونه في عقولهم للوصول إلى عالم مثالي على طريقتهم، بإقناعهم أنه لا بدّ من التضحية ببعض الأبرياء وقتلهم لتحقيق هدفهم الأخلاقي، من وجهة نظرهم طبعًا، ثم النمط الرابع والأخير وهو “الانخراط في العمليّات الإرهابية”.

وحذّر هورغان في الكتاب نفسه من تصعيد حملات الهجوم والسُخرية ضد الإرهابيين وجماعاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ووصفهم بالوحشية والغباء؛ فبنظره أن ذلك يأتي بنتائج عكسية، ولا يقود إلى مُكافحة الإرهاب، بل يزيد من التعاضد بين الإرهابيين ويتعاظم إيمانهم بأفكارهم وعقيدتهم وتصميمهم على تحقيق أهدافهم وإن كان على حساب أرواح الأبرياء.

اتّفق جدًا مع جون هورجان في الحلول التي طرحها في مُكافحة الإرهاب، أهمّها التركيز على إعادة تعريف “الذات” من الداخل، وتعديل تفاعل الذات مع “الآخر”، هكذا فقط نُحارب الإرهاب ونصل للأمن والسلام النفسي الداخلي، ثم الأمن والسلام الاجتماعي الخارجي، خصوصًا بعد فشل علاج مُشكلة الإرهاب من خلال “برامج مُكافحة التطرّف” كثيرة العدد وقليلة الأثر، حيث أخفقت في جميع أنحاء العالم. فالإرهابي لا يولد كذلك، وإنّما يستغرق وقتًا طويلًا جدًا حتى يكتسبه من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، وهنا مكمن الخطر والحلّ في ذات الوقت..

وبعد غسيل دماغه، يعتقد الإرهابي واهمًا أنّه إذا ما غدا جزءًا من تلك الجماعة الإرهابية أو ذلك التنظيم يكون قد هبط عدة درجات في سُلّم الحضارة، والإنسان بطبعه عندما يكون مُنفردًا ربما يكون شخصًا مُثقّفًا، أما الإرهابي أو بالأحرى (الروبوت الفاشي) عندما يكون في الجماعة أو التنظيمات الوحشية يكون غريزيًا، ومن ثم يُصبح همجيًا، فيتّصف بِما عند الفطريين من الغريزية والعنف والجَلَف تمامًا كما يتّصف بِما عندهم من الحماسة والبطولة، وهو يُشابههم أيضًا بسهولة استهوائه بالصيغ والصور والتاريخ “المزوّر” وسوقه إلى القيام بأعمال ضارة، إمّا لمصالح ضيّقة أو فِكرة تافهة رديئة تسقط قيمة الإنسان والحياة أمامها.

وغلوّ تلك الجماعات يتجلّى في المشاعر لا في العقل، حيث يتجمّد العقل والفِكر لديهم، ويعتقد الشخص المُنقاد لهم أنّه إذا ما كان معهم سينحطّ مستواه العقلي إلى أبعد حدّ؛ لأن تلك الجماعات الإرهابية إذا تم تلقينها بشكل مدروس مُستعدّة للتضحية بنفسها في سبيل ما لُقّنت به، فهي لا تعرف سوى المشاعر شديدة التطرّف، فالميل العاطفي لديها ينقلب إلى (عبادة) للأسف الشديد. كيف لا يُخيفونا بالإرهاب وهو وحده ما يؤخر “الثورة” على الظُلم، ويجبر الناس القبول (طوعًا) بالفساد والظُلم والعوز والفقر والبطالة مقابل حماية الوطن والناس من وصول تلك الجماعات الإرهابية عندهم، ولكن السحر انقلب على الساحر في كثير من الحالات عندما وصلت صناعاتهم الإرهابية إلى بُلدانهم – هناك – مكان ما تمّت صناعتهم، وعلى الرغم أن الإنسان “الغربي” دمه غالي عليهم، وفي المُقابل يتم استباحة الدم العربي يوميًا من قِبلهم برخص شديد..

المهم أيّها القرّاء الأعزّاء استعدّوا وجهّزوا أنفسكم وأولادكم للخوف من (بُعبُع) المرحلة التالية، حتى نسمع كلام “الكبار” أيضًا، وإن هرمنا، مُقابل خُرافة “الأمن والأمان”..

وأخيرًا أقول للذين يتداولون مقولة (الإرهاب لا دين له)، فقد أخطأتم جدًا وجدًا، لأن الصهيونية هي “دين” الإرهاب، والإرهاب هو “ديدن” الصهيونية، تلك الحقيقة المُرّة التي نعرفها جميعًا ولا نجرؤ على البوح بها رسميًا..

احذروا البُعبُع الجديد أيّها الشعب العظيم الصامد القابض على جمر الصبر الذي حرق قلوبكم قبل جيوبكم فداءً للوطن..

وحتى ظهور ذلك البُعبُع سيكون لنا من هذا الحديث بقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !