فضائح وكذب “بالأجنحة”

فضائح وكذب "بالأجنحة"
3٬220 مشاهدة

وصف العُظماء (الكلمة) أنّها مِثل “الرصاصة” تمامًا، ما أن انطلقت سواء مكتوبة أم مسموعة لا يُمكن ردّها بأي حال من الأحوال، فإن أصابت هي إمّا قاتلة أو جارحة، وإن لم تُصِبْ ستحدث ضجيجًا وإرهاقًا في أقلّ تقدير.
وإن أمعنّا النظر بما نرى من كلمات مكتوبة ونسمع من ترّهات مفضوحة من الذين يقتاتون على (هيك بقولوا، وهيك سمعت) نُصاب باللّعيان حدّ الغثيان، كيف لا وما نراه ونسمعه، على الرغم من كثرته، إلاّ أنّه ما زال غيضٌ من فيض، وما خفي أعظم..

النقل دون تمحيص، والكذب والنميمة والغيبة وكُلّ ما يُساهم في إشاعة “الفضائح” غير الصحيحة، ناجم عن (الغيرة) المرضيّة، لا لسبب سوى الجهل – والجاهل والغيّور هو عدوّ نفسه أولًا – كُلّ ذلك وأكثر يندرج ضمن توصيف مجموعة من الأمراض النفسية والاجتماعية المُلازمة للطبيعة البشرية، لا سيّما بين شعوبنا العربية، ولا دواء لهذا الداء سوى هذين العلاجين؛ فإمّا “التجاهل” أو “المواجهة”، والأخيرة (فنّ) لا يتقنه سوى العُقلاء والحُكماء وكذلك الأقوياء، أمّا التجاهل فهو سلاح ذو حدّين، ولا يُمكننا تعميم السلوك الإنساني “الصحيح” على جميع المواقف ومع جميع الشخوص وفي جميع الأزمنة والأمكنة، وهنا تكمن الحِكمة؛ لقياس ردة الفعل المُتناسبة مع الحدث في التوقيت المُناسب.
ولكن، قد يخلط الناس ما بين التجاهل وبين (التهرّب) والانسحاب دون تبرير ودون حجّة مُقنعة، أو دون وضع حدّ للألسنة الطويلة التي تحتاج القطع أحيانًا، وربما يكون السبب ضعف الشخصية والخوف من المواجهة، أو قد يكون خجل الشخص من موقفه المُشين فيختار التهرّب بدلًا من التحلّي بتاج (الاعتذار)، وذلك ضعف أيضًا؛ لأن هذا السلوك يزيد الطين بلّة ويُخرّب الكثير من العلاقات الإنسانية، وما أكثر (المُتهرّبين) وما أقلّ المواجهين حاليًا..

نحن نعيش اليوم في ظِل مجتمع هجين ومشوّه، يعشق الفضول “والتلصّص” على خصوصيات الآخرين وأخبارهم، وتناقل أي شيء عنهم بغضّ النظر عن صحّته من كذبه، ويا ليتَ الأمر يتوقّف عند هذا الحدّ، إذ لا بدّ من تتبيل وتبهير “المنقول” ليصبح الخبر أكثر لذّة، خصوصًا إذا تمّ نشره (طازة) بعد طبخه مُباشرة في مطبخ السفهاء العفن، حتى تكون الأخبار الفاسدة (مُحرزة) قبل أن تفوح الرائحة النتنة لأكاذيب “آكلي لحوم البشر النيّئة”، وهم كُثُر وهنّ أكثر..
ولا بدّ أنّ كُلّ مِنّا قد شهد هذا القرف، الفرق هو في درجة التسمّم وحدّة الأذى، والدروس المستقاة من تلك المواقف، وإن كانت موجعة، لأخذ الحيطة والحذر، ومَن لا يتعلّم من كيسه بعد المرة “الأولى” فحتمًا هو الأحمق..

مثل تلك الظواهر المرضيّة القميئة، وهي كثيرة جدًا، لا تجد طريقها بسهولة فائقة سوى في النفوس المُشوّهة، التي تعتاش على إيذاء غيرها والفرح بِما يُصيبهم من سوء، هذه هي البيئة التي تُغذّي مرضى الأخلاق وفاقدي العقل والضمير، واللوم هنا لا يقع على هذه الألسنة النجسة الناقلة للأخبار المُلفّقة فقط، وإنّما على مَن (يُنصت) لها ويسمح بسماعها ويرخي أذنيه أيضًا؛ لأنّه أسوأ من ناقلها وأكثر خطورة، فالسامع هو مَن يصنع الناقل، ولا يُمكن أن يكفّ الناقل عن تأليفه إن لم يجد مَن يقرأ أو يسمع له، وربما يصفّق له، وبذلك يكون شريك معه في الجريمة مع سبق الإصرار والترصّد.

وسائل (التناقل) الاجتماعية، أو “اللقلقة الاجتماعية” إن جاز التعبير، لم يسلم أحدٌ منها على الإطلاق، ابتداءً من رأس الهرم إلى أدناه للأسف الشديد، فلم يعُد المنصب ولا اللقب ولا الجاه ولا السُلطة “منيعًا” من الإصابة برذاذ الكلمات الصادرة عن الألسنة الطويلة، ولا من شظايا الرصاصات الطائشة المُنطلقة من الأفواه التافهة لأولئك الصبيان والنسوان..

المضحك المبكي في هذا الموضوع، أن الجميع يرى نفسه بريئًا، وينبذ هذا الأمر إن فضح حرمته فقط، فمَن المُتّهم هنا إذًا ؟؟!!
نحن نخشى الفضيحة ولا نخاف من فضح الآخرين وكشف عوراتهم، ويا للعار على أُمّة ضحكت من جهلها ولعبت بها باقي الأُمم..

لو كُلّ إنسان ركّز في نفسه وترك الآخرين وشؤونهم، والتهى في إصلاح ذاته بالدرجة نفسها التي يُركّز بها على عيوب الآخرين وحياتهم الشخصية، لكان صَلُحَ حالنا، ولما وصلنا إلى هذا المستوى من (الانحطاط) الذي نحن عليه الآن، وعلى جميع الصُعُد.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، مَن مِنّا بلا خطيئة؟؟ أهم ما في الأمر هو عدم تكرارها، وخير الخطّائين التوّابون. فلا تقعوا ضحايا للمهووسين في الصيد بالماء العكر، ولا للشامتين في مصائب غيرهم، أولئك السُذّج الذين سمح لهم الفيس بوك وإخوانه فُرصة الظهور، وعرّى حقدهم وغيرتهم وتفاهتهم على الملأ، وبعضهم من أصابه داء (العظمة الفيسبوكية)، فيتطاول على غيره ببساطة دون اكتراث لأدنى معايير الأخلاق ولا حتى لأدب الحوار أو الحوار بأدب، ويعود السبب في شعورهم بالقوة والعظمة إلى الدعم الذي يتلقّوه من عدد (اللايكات) والمُتابعين، حتى وإن كان ما يتفوّهون به أو يكتبوه أسخف من السخف نفسه، ولا يقبله عقل ولا ضمير..

ولا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى موضوع “الحسابات الوهمية” التي يتم فتحها بالعالم الأزرق بأسماء مستعارة تارة، وتارة أُخرى بأسماء غريبة كغرابة صاحبها أو صاحبته، حيث أتاحت هذه الخاصية الفُرصة لهؤلاء المساكين مُستحقّي الشفقة، للتجسّس على حياة الآخرين وأخبارهم دون ظهور هويّتهم الحقيقية، وهمًا مِنهم أنّهم بمأمن من فضح هويّتهم، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحدّ، بل تعدّاه إلى أن تكون تلك الحسابات الوهمية (منبر التفريغ) لهم والأداة السهلة المُتاحة التي تسمح لهم بالتعبير عن غيرتهم الشديدة ودونيتهم بالخفاء، وتظهر بتعليق خبيث على سبيل المثال، أو بالقدح والشتم، وربما الردح، وهؤلاء يستحقّون في هذه الحالة على وجه الخصوص (العقاب بالصمت) والانتقام بالنجاح، أمّا مهارة التجاهل باتت هنا ضرورة مُلحّة “كصدقة”؛ لأنّهم (فقراء) بالأدب، وهُم حقيقةً أولى بمعروف الصدقات، والأهم أنّهم مكشوفون جدًا وجدًا، مهما كثُرت حساباتهم، ومعلومة هي غاياتهم، ومَن وراءهم، من (حشرات إلكترونية) تدعمهم بكبسة الزرّ التي كشفت المستور وعلى عينك يا تاجر..

ولا يسعنا هنا سوى القول لمِثل هؤلاء كما قال الإمام الشافعي من دُرَرْ: “كم عالمٍ متفضّلٍ، قد سبّه مَن لا يُساوي غُرزةً في نعله، والمرءُ يُعرف في الأنامِ بفعله، وخصائل المرء الكريم كأصله، ومَن قال شيئًا قِيل فيه بمثله”..
لا اعتقد أن هناك أجمل من هذه الكلمات في هذا المقام، فلكُلّ مقام مقال يُليق به..

وأخيرًا نؤكّد على أن الرغبة العارمة في نشر الفضائح والأخبار الكاذبة والمُلفّقة هي المادة (الشهيّة) والمُفضّلة الآن للأغلبية؛ لأن للفضيحة “أرجل”، وللكذب “أجنحة”، لذلك، سيبقى لنا من هذا الحديث حصّة أُخرى وبقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “فضائح وكذب “بالأجنحة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !