لا تفرطوا المسبحة

لا تفرطوا المسبحة
2٬760 مشاهدة

عندما تَفرُط مسبحة الأخلاق ومنظومة القيم تحت مُسمّى (الانفتاح)، بات الواجب يحتّم علينا توضيح الفرق ما بين “الانفتاح الثقافي” وما بين الانفراط أو (الانفلات الثقافي)، الفرق كبير جدًا يا سادة؛ لأن فرط مسبحة (القيم) يُعمّم الفوضى حتى تضرب أطنابها، وعندئذٍ سيختلط الحابل بالنابل دون أدنى شكّ.
ولا بدّ لنا هنا من تذكير “فلاسفة العصر” بِما قاله الفيلسوف الفرنسي “مونتيسكيو” قبل أكثر من قرن؛ “تنتهي حُريّتك عندما تبدأ حُريّة الآخرين”. من الجميل أن يُدرك المرء الحدود التي يجب أن يقف عندها، ولا يُرهق الآخرين بأفكاره وسلوكه بداعي “حُريّة شخصية”، حيث تنتهي حُريّتك الشخصية عندما تخرج من منطقتك الآمنة وتدخل مناطق الآخرين؛ لأنّنا في هذا الوضع على وجه الخصوص سنقول جميعًا لهؤلاء وبصوتٍ عالٍ (كفى ونهاية)..

أتدرون لماذا لا ننعم بالأمن والأمان في أوطاننا العربية؟! طبعًا الأسباب كثيرة جدًا؛ ولكن ما يأتي على رأس الهرم فيها هو “انفراط” القيم والأخلاق، وضبابية الحدود ما بين (الانفتاح والانفلات).
صحيح أن منظومة الأخلاق نسبية، ولم تعُد تقتصر على ما هو مقبول أو غير مقبول اجتماعيًا بين الثقافات المُختلفة فقط، وإنّما غدت اليوم تختلف بين عائلة وأُخرى في الثقافة نفسها، وربما بين فرد وآخر في ذات العائلة. لكن، (منظومة القيم) هي واحدة بين جميع الثقافات وبين كُلّ الناس، كيف لا وتعريف القيمة أنّها “كُلّ ما هو مرغوب اجتماعيًا، وما تم الإجماع عليه ثقافيًا”، فلا اعتقد قيّم الصدق والاحترام والأمانة والوفاء وغيرها من القيم الجميلة يختلف عليها اثنان كائنًا مَن كان..

من المعلوم أن دور الثقافة كبير جدًا في بناء العقل وتطوير الحِكمة، لا سيّما عند الاطّلاع على جميع الثقافات ومكوناتها، وهذا بدوره يقود إلى السلوك “الإنساني” السويّ، الذي يجب أن يمتثل ويتماشى مع معايير (القبول الاجتماعي)، والأخيرة أحد المصادر الهامّة للصحّة النفسية للأفراد، وصحّة العقل والوعي والجسد الجمعي. وعليه؛ فإن أهم مظاهر (الانفتاح الثقافي) الجميلة هو قبول الآخر وقبول الاختلاف، ولا يعني قبول الأخير الخروج عن معايير المُجتمع المقبولة، أو إفساد المُجتمع من خلال التقليد الأعمى للغرب دون استخدام (مصفاية) الثقافة العربية.

أمّا أبرز مظاهر الانفراط الثقافي المُرعبة، تداخل المفاهيم ببعضها دون وضع حدّ وتعريف واضح لها، بالإضافة إلى تسارع القطيعة مع (التراث)، وتشويهه، ثم الافتراء عليه. كُلّ ذلك وأكثر بسبب انحراف التفكير عن قضايا المُجتمع ومصير الوطن لحساب المصلحة الذاتية حدّ الأنانية، أمّا الإغراق في “النفاق الاجتماعي” يكون في أوجّه عندما تفرط مسبحة المُجتمع الأخلاقية، ومنظومته القيّمية. ولا بدّ من التنويه هنا أن (ازدواجية المعايير) هي أحد أشكال الانفراط الثقافي أيضًا، فالمبادىء و الأخلاق لا تتجزّأ، وما لا نقبله من الآخر يجب أن نتجنّبه نحن أولًا، فعلى سبيل المثال، لا يُمكن لنا انتقاد الآخرين على إطالة اللسان واستخدام ألفاظ نابية لم نعتد عليها، واستخدام ذات الألفاظ والكلمات عند الاعتراض على ما بدر مِنهم، ألا يُعتبر ذلك نوع من “الشيزوفرينيا الاجتماعية” التي تُشير إلى وجود اختلالات أخلاقية ومُجتمعية؟! أليس هذا أخطر مظاهر الانفراط الثقافي؟! هل هناك تدمير للذات وتخريب للمُجتمع أسوأ من المغالاة في ازدواجية المعايير ؟!
لست اعتقد بل أجزم هنا أن القيم والمعايير (المفروطة) والمجتزأة هي السبب الرئيس لتفشّي (الفساد) الذي نخر مؤسّساتنا ومُجتمعاتنا حدّ التسوّس، وهذه نتيجة حتمية عندما يكون مُسلسل التخلّف هو الأبرز في (الفضاء العربي) للأسف الشديد.

وعند عجز العُلماء عن فِهم تلك التناقضات، وفشل الحُكماء في قياس التخبّط الحضاري وتراجعه للوراء بمسافات طويلة، يتسابق هنا المُتاجرون بحقوق المواطنين والعابثون في أمن الوطن، وما أقلّ نشاط العُلماء والحُكماء اليوم أمام تزاحم الطمّاعين والفاسدين، دستور مَن هذا الواقع الرديء. فهذا العصر هو عصر الزيف، وهذه الحقبة هي حقبة العجائب، وهذه المرحلة هي مرحلة (الهشاشة المعرفية)، وادّعاء الملائكية، إنه عصر الشائعات والتضليل ونشر الأكاذيب، من خلال منصّات روّجت المهرّجين ومدّعي الانفتاح الثقافي، عفوًا، أقصد الانفراط الأخلاقي والقيّمي، هذا زمن (النثر) الذي لا وزن له للأسف الشديد.
الانفراط الثقافي هو ما يميّز هذه المرحلة، فلا مفرّ أمامنا من التصدّي للأقلام المأجورة، والأفكار المشوّهة، وأفواه خدش المعايير، ففقر المال ليس عيبًا، وإنّما (فقر الأخلاق) هو العيب الحقيقي، ولا علاقة للغنى بالأخلاق و القيم ، فلتتوقّفوا عن تعليق انفلاتكم على شماعة الفقر؛ لأنّها أمست إسطوانة مشروخة وحجّة معلوكة..

أخطّ الكلمات والسطور في هذا المقال وأنا مرعوبة على بنات وشباب هذا الجيل، الذين شهدوا انكسار الكرامة العربية، وهزائم الأوطان وتمزّقها، فسقط (النموذج) أمامهم وسقطت معه “القدوة”، ممّا أباح العزف على أوتار المحظور، فأخرج سيمفونية أخلاق أقل ما يُقال فيها بأنّها (نشاز)..
هذه هي نتائج ما تراه العين باستمرار، وتسمعه الأُذن دون قرار، على جميع وسائل التواصل الاجتماعي ووسائط الإعلام الحديثة، وبذلك، يصدّق العقل كُلّ ما يرى ويسمع، فيصبح الوقوع في فخّ (التضليل) وتجميل الخطأ وتقبيح الصحّ، هو السائد، اصحوا يا أولي الأمر أرجوكم؛ لأنّنا نشتمّ اليوم رائحة كريهة بسبب دويّة باغتتنا، ودكّت قلاعنا الحصينة واقتحمت خصوصياتنا، ربما هي رائحة التحدّي أو التردّي، لا فرق..

ما نُريده اليوم هو الانفتاح على العالم، نعم صحيح، بشرط أن لا نُلغي هويّتنا الوطنية، ولا تعطيل الثقافة العربية أو تشويهها، وأن لا نصل حدّ (الذوبان الثقافي) على حساب الثقافة العربية، إتقان “فنّ التعايش” مع الآخر المُختلف هو الانفتاح الإيجابي الذي نرنو له، وهذا يعني أن ننطلق من مبدأ (التكامل الإنساني)، من خلال إعادة صياغة الفِكر بما يُحقّق الأمن والسلام للجميع، لا إعادة “تفصيل” الأخلاق والمبادىء على حساب الهويّة العربية. فالعالم أجمع وحتى الصهاينة أيضًا يعلمون عنّا كُلّ شيء، ونحن لا نعلم عنهم وعن ثقافاتهم سوى القليل، وأخذنا مِنهم القشور فقط، وتركنا لهم البحث العلمي والتطوّر الحضاري، فالعرب لم يقعوا في فخّ (التطبيع) فحسب؛ وإنّما في فخّ التضييع والتمييع أيضًا، وهذا سبب التراجع في الانتماء لعروبتنا وثقافتنا وحضارتنا، وللمرة الثانية نعيد ونقول (كفى ونهاية)..

وللخروج من هذا الوضع الثقافي العربي المُزري، آن الأوان لمُشاركة أصحاب الرأي الحصيف والوعي الرشيد في إصلاح هذا الواقع المأزوم؛ لأن التحدّيات التي تعصف في الأوطان العربية في المرحلة الحالية تُهدّد وجودها وحدودها، لذلك، لا بدّ من تضافر جهود كافّة الجهات لإصلاح العطب الناجم عن انفراط مسبحة القيّم الثقافية، ولملمتها مرة أُخرى، وضبط مساراتها، والحيلولة دون غسل الأدمغة وتزييف الوعي الجمعي باستخدام استراتيجية (تكرار المشهد) المُتّبعة حاليًا، فيصبح الانفلات هو الأصل والانفتاح الذي يُثري الثقافة هو الاستثناء. هذا ما يلزمنا تمامًا اليوم، الوقوف أمام المُتربّصين بالوطن والعروبة، وهم كُثُر..

وأخيرًا نقول لمُدّعي “الانفراط الثقافي” سواء عن قصد أو دونه، لا تنتظروا حلّ المشاكل بعد وقوعها، ربما تُصابوا بِ (العقم الثقافي) حينها، وإنّما انفتحوا ثقافيًا على العالم أجمع حتى تتعلّموا من “العباقرة” مِنهم كيف نمنع المشاكل قبل أن تبدأ، وحتى ذلك الحين، سيبقى لنا حديثٌ آخر وبقيّة… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !