جواز السفر للمُستقبل

جواز السفر للمُستقبل
2٬045 مشاهدة

ربما يجلب التعليم وظيفة، ولكن، لا يمكن أن يجلب (العقل) إلاّ إذا كان تعليمًا نوعيًا بامتياز، من النوع الذي يُحفّز الدماغ ويُدرّبه على التفكير، فالحِكمة ليست نتاج التعليم وحده، وإنّما يُرافقه مسيرة طويلة من خِبرات الحياة، عندما نتعلّم كيف نحيا لا كيف نعيش فقط، وهذا يبدأ من هناك، من المدرسة، ثم الجامعة، وأخيرًا عند الولوج في (جامعة الحياة) الكبرى للدراسات العليا.
وحتى نتمكّن من إنتاج العقول لا أعداد بشر فقط، ولا أعداد خرّيجين جامعيين، كثيرون في العدد وقلائل في النوعية من الخِبرة والحِكمة والإبداع، لا مناص أمامنا من “الاستثمار النوعي” والحقيقي في مؤسّسات التعليم؛ لأنّ التعليم (سِلاح) يعتمد مدى تأثيره على مهارات قادته؛ فهُم إمّا يطلقون “رصاصة الرحمة” أو يوقدون “شرارة التميّز”، فاختاروا قادة العِلم والتعليم بعناية، قبل أن يقتلنا جميعًا سوء استخدامهم لسلاحهم؛ لأنّ التعليم الجيّد يحمي الوطن تمامًا كما تحميه الجيوش المُنظّمة. كيف لا والتعليم هو أقوى سِلاح يُمكن استخدامه لتغيير العالم !!

ألا يكون الطفل ذكيًا وهو صغير؟! لماذا يقلّ ذكاء كثيرًا مِنهم مع تقدّمهم بالعمر؟! أليس لذلك علاقة بالتعليم ونوعيته؟! وهل يعود السبب في ذلك إلى المنهاج أو المُعلّم أم المسؤولين؟! وهل التعليم يقتصر على معرفة المعلومات والحقائق أم معرفة القيّم كذلك؟! أليست التربية تسبق دومًا التعليم؟!

مُهمّة قادة التعليم وعناصر العملية التعليمية التعلّمية جميعها هي زراعة الصحراء، وليس الاقتصار على اقتلاع الحشائش الضارّة من الحقول، مُهمّتهم هي إيجاد القُدرة على تحويل المرايا إلى شبابيك، وفتح الأبواب المُتحجّرة في العقول، وكسر الأقفال المُصدّية في البيوت، واعتبار العقل (شُعلة) من النار ينبغي إيقادها باستمرار، مُهمّتهم تتمركز في إبقاء الجيل الجديد في حالة مُستمرّة من التساؤل والبحث عن الأجوبة لا حفظها ونسخها ولصقها ثم تلقينها، وإنتاج قطاعات عريضة من البشر قادرة على تمييز ما يستحقّ القراءة وما يستحقّ الوقت.
ولا يُمكن لذلك أن يحدث إلاّ باكتمال وتكامل عناصر عملية التعليم جميعها، وبالتناغم مع رُؤى صُنّاع القرار العلمي والتعليمي،، وهيهات..

“الإصلاح الثقافي” الذي يحكّ العقول ويُحفّزها على التفكير ويُغيّر الذهنية السائدة هو أهمّ أُسس الإصلاح والتطوّر والنهوض بالأُمم، والخطوة الأولى في الإصلاح الثقافي تكمن دون أدنى شكّ في (ارتقاء) جميع عناصر العملية التعليمية التعلّمية، لعلّ أهمّها بالضرورة التعديل والتغيير باستمرار لمواكبة مُستجدّات العصر وروحه، دون المساس بثوابت الأُمّة وتاريخها. وهذا الارتقاء لا يجب أن يكون مُجرّد “كلاشيه” للتصدير الإعلامي، بل هو عملية مُعقّدة ، طويلة المدى واستراتيجية في كُلّ المقاييس..

التعليم بجميع عناصره وآلياته ومضامينه ما يبني شخصيات الطلبة، لا بل يُشكّل ملامح شخصية المُجتمع والأُمّة ضمن ثقافتها وثوابتها، فهو (جواز السفر الحقيقي) نحو المستقبل. وبما أنّنا حاليًا في عصر الانفجار المعرفي والتكنولوجي، فإن ذلك يستدعي ضرورة تجهيز العقول للتفكير، وتطوير الأبعاد المُختلفة في الشخصية الإنسانية؛ البُعد الروحي، والبُعد السلوكي، والبُعد العاطفي، والبُعد الوطني، والبُعد الأخلاقي، وفق تقاليد الأُمّة وقيّمها، حتى تنهض وترتقي.

الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي وتطبيقاته العديدة تنشّىء الفرد؛ لأنّها تُعطيه زخم من المعلومات وزخم من الأحداث لِما يحصل في هذا العالم، فبات العالم الافتراضي هو الواقعي فعليًا؛ لأنّ كُلّ مُعاملاتنا وتعاملنا ومعلوماتنا وتعليمنا يحدث عبره، ربما غدت بعض العمليات الاجتماعية مثل (الإزاحة والإحلال) هي الأصل في العصر الحديث لا الاستثناء، وهنا تكمن خطورة المرحلة وخطورة عدم التماشي معها من خلال النظام التربوي والتعليمي.
ومن البديهي أن يواكب النظام التعليمي جميع المُستجدّات المعرفية ويستجيب للأحداث الهامّة المُتسارعة، وإضافة ما يهمّ الأُمّة العربية فيها، والأهمّ هنا ليس إضافته كمعلومة فقط، وإنّما من الواجب علينا كذلك في هذا الوضع العربي العصيب أن نُرفقه بالسلوكيات والمشاعر المُرتبطة بتلك الأحداث، وكيف تفرض علينا مُتطلّبات الوطنية والعروبة أن نشعر (نحن) اتّجاه تلك الأحداث، الأليمة منها والجميلة على حدّ سواء، حتى لو كانت الأخيرة شحيحة..

رأس المال الحقيقي في العصر الحالي على مستوى أفراد ودوَل، هو “رأس المال المعرفي”، بمقدار ما تعرف تكُن ثريًّا، حتى لو تفتقر للمواد الخام والموارد الطبيعية، فلم تعُد المُجتمعات البشرية في العصر الراهن تهتم بالكمّ على حساب النوع في مُخرجات التعليم، حريٌّ بنا الآن أن نؤكّد على قيّم تثمين الوقت والإبداع والابتكار والتفكير الخلّاق في التعليم.

ولا بدّ من إعادة النظر بمعايير القبول في جميع التخصّصات، والإنسانية منها على وجه الخصوص، وما يحدث حاليًا من أمراض نفسية وأمراض مُجتمعية لهو دليل على أنّها لا تقلّ أهمّية عن التخصّصات العلمية وربما تفوقها، والمُجتمع يحتاج إلى الاستثمار في تخصّصات العلاج النفسي والاجتماعي تمامًا كما يحتاج الاستثمار في التخصّصات الطبّية والهندسية وغيرها..

في ظِلّ هذه الرؤية المشوّشة والمشوّهة محلّيًا وعربيًا ودوليًا، فقد أضحى الطلبة وأهلهم مَن يدفع الثمن، ويعود السبب في ذلك إلى تدهور حال التعليم ومآلاته اليوم، بعد أن كنّا نُباهي به الأُمم، سواء في المدارس أو الجامعات، وأمست مصلحة الطلبة آخر اهتمامات المسؤولين والمُخطّطين، و بشكل بديهي آخر ما يهمّ بعض مالكي (دكاكين التعليم)..

ونقول جميعًا لِ (المتلوّنين) الّذين يُصفّقون لقرارات المسؤولين على العميان، ويُدافعون عنها دون تمحيص، لا لشيء سوى الاحتفاظ بوظائفهم ومناصبهم وطمعًا في القرب من “مصانع” القرار، ونقول أيضًا لِ (المُغرّضين) أصحاب الأجندات الخاصّة، ولخفافيش الظلام، أن اتّقوا الله في أبنائنا وبناتنا الطلبة جيل المستقبل، وراعوا ضمائركم بكلمة حقّ أمام أولئك المسؤولين، ولا تضلّلوهم عن مسيرة التعليم السديد، والحِكمة، والقرارات الصائبة.

ونضيف كذلك على ما تمّ ذكره هنا أعلاه؛ (النفاق الاجتماعي) قصدتموه أو ورثتموه فهو رذيلة كبرى..

وأختِم بمقولة جميلة للصحفي الأمريكي “والتر كرونكايت”: (مهما كانت تكلفة التعليم وبناء المكتبات مُرتفعة، ستبقى أرخص كثيرًا مُقارنة مع تكلفة بقاء الأُمّة جاهلة)، وتوكيدًا على ذلك، استشهد أيضًا بمقولة لأهمّ وأبرز مؤسسي الولايات المُتّحدة الأمريكية، العالِم والمُخترع “بنجامين فرانكلين”: (الشيء الوحيد الأكثر كُلفة من التعليم هو الجهل). وما أكثر الجهلة اليوم من أصحاب الشهادات العليا للأسف الشديد..

أيّها الأهل؛؛ أعطوا أولادكم وبناتكم تربية وتعليمًا نوعيًا.. أيّها المسؤولون؛؛ امنحوا أولادهم وبناتهم (جواز سفر) صالح للمستقبل، لا يحتاج سوى الفيزا من مؤسّساتنا التعليمية ليعبروا به الوظائف في بلاد العالم أجمع، فالتعليم هو شمس الأُمّة وسِلاحها الوحيد، أعيدوا له كرامته وسُمعته أحسن ممّا كان، واستثمروا به جيدًا ولن تخسروا، فهو أهمّ ثرواتكم، وأضخم مواردكم، حافظوا عليه قبل أن يتدهور أكثر..

مَن يموت فقط هو مَن يتوقّف عن العِلم والتعلّم واكتساب خِبرات جديدة، ربما لهذا السبب كثير ممّن حولنا هُم “موتى” على الرغم أنّهم ما زالوا على قيد “الحياة“..
وعليه،، لا اعتقد أنّ هناك أهمّ من التعليم ليكون لنا به حصّة أُخرى وكمشة حكي وبقيّة… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !