بلد الفزعات والإشاعات

بلد الفزعات والإشاعات
1٬822 مشاهدة

أمسى كُلّ من البلاد والعباد يعيشون وفق “نظام الفزعة”، ويقتاتون على (الإشاعة)، ففي كُلّ حدث – مهما كان نوعه – يطغى على السطح، يصبح حديث الساعة للكبار والصغار على حدّ سواء، ويمسي أيضًا الزاد الدسم لمروّجي الإشاعات، كيف لا ونظام الفزعة ما زال متأصّل فينا شعبًا وحكومات دون استثناء، وعلى الرغم من ترديد الإسطوانات “المشروخة” ذاتها عند أيّ طارىء، إلاّ أنّنا ما زلنا نسمع ذات الحوارات وذات الوعود في كُلّ مرّة، لدرجة أنّنا حفظناها عن ظهر قلب ونستطيع أن نعيدها كالببغاء وكرجّة المي.
أتدرون لماذا؟! لأنّه ببساطة شديدة تعود الأمور إلى سابق عهدها بمجرّد انتهاء الحدث أو الشائعة، وبسرعة البرق، ثم ننتظر الحدث الذي يليه، وهكذا دواليك.

كُلّ ذلك وأكثر، هو بالطبع الناتج الحتمي لتفشّي ظواهر (الكسل الفكري والبلادة العقلية)، فلا عجب ممّا يحدث على الإطلاق، وهذا هو (التماهي) بعينه مع تلك الظواهر القبيحة، ويعود ذلك إلى عدم اكتمال الدائرة ما بين “النضج العاطفي” من زاوية، و”السموّ الأخلاقي” من الزاوية الأخرى، فبقيت مفتوحة على مصراعيها لكُلّ ممّا هبّ ودبّ..

الفزعة (المؤقّتة) التي تصاحبها تلك النخوة المؤقّتة أيضًا، غالبًا ما تنتصر للظالم وتتجاهل المظلوم، على الرغم أنّ المنطق يُشير إلى أنّ العكس تمامًا هو المطلوب، ولكنّ هذا ما يحدث في الواقع للأسف الشديد، فالكُلّ يرمي المسؤولية على الكُلّ، ويتحوّل الاهتمام من التركيز على حلّ المشكلة والوقاية منها قبل وقوعها لاحقًا، إلى اللغو والجدل البيزنطي بمَن المتسبّب فيها، حرفيًا هذا ما يحدث في كُلّ مّرة، سواء بعد شتوة قوية، أو خلال ثلجة غنية، أو عند كوارث حوادث الطرق بجميع أنواعها، وغيره وغيره…

فلا داعٍ للعجب لما يحدث في بلاد العجائب، بلاد الفزعات والإشاعات؛ لأنّ “النخوة” المرتبطة في كُلّ فزعة، تقوم على الانفعال العسير لا على العقل الواعي والضمير الإنساني اليسير.
أما آن الأوان إلى تقليص دائرة الإهمال؟! أليس العمل المؤسسي أدْوم وأقل خطرًا وأكثر نجاحًا من الفزعات ؟؟!!

أمّا الإشاعات اللامتناهية والمتجدّدة باستمرار، وغالبًا ما ترافق الفزعات ، فقد هدرت الكثير من الوقت والجهد والتكلفة؛ لأنّها تنمو وتترعرع على الأرض الخصبة سريعة التمدّد في التطبيقات الاجتماعية، ونظرًا لشحّ المعلومة من الجهات المسؤولة والأطراف المعنية، وغياب المبادرة الرسمية بالتبرّع في المعلومة الصحيحة، فهنا على وجه الخصوص تصبح الساحة رباحة لترويج الشائعات والمبالغة بها كذلك..

من أهم سمات البلد المستقرّة والمتحضّرة، تلك التي يزيد فيها عدد العقلاء والحكماء والراشدين على التافهين المروّجين، تلك البلاد التي تموت فيها الإشاعة في أرضها قبل أن تبدأ بالتقاط أنفاسها والتموضع، أمّا البلاد مهلهلة البنى، الفقيرة بالعظماء، تمسي الإشاعات قوّتها وزادها لإلهاء ذوي العقول الساذجة؛ لأنّه من السهل استفزازهم وإشغالهم بِ (الفساتين) أكثر من انشغالهم ببساتين الوطن وهمومه..

نظام الفزعات وترويج الشائعات تقود إلى الوقوع في الخطأ، أو معالجة الخطأ بخطأ أكبر منه، ومَن يركب هذه الموجة حتمًا سيقع سريعًا؛ لأنّها موجة غير مضمونة الاتّجاه، وإن كان السبب وراءها طمعًا في منصب كبير أو مالٍ كثير، غالبًا ما تبوء تلك المحاولات بالفشل، فلا تلوّثوا أسماءكم وتاريخكم مع هؤلاء؛ لأنّهم مكشوفون جدًا، وما يحملهم لفعل ذلك لا يتعدّى العناد والحسد والتقليد الأعمى، لا لشيء سوى الغَوى والهَوى والانقياد نحو المآرب الشخصية، وهنا نقول لهم أنّ سُلّم الشهرة ليس مزدحمًا في القمّة، فالقاع هو المزدحم فقط، ولا شيء يُبقي الإنسان في القاع إلاّ نفسه. أضف إلى ذلك أنّ المتسلّق المحترف يركّز على هدفه ولا ينظر للأسفل؛ لأنّ الفزعات والإشاعات تشتّت الذهن ولا توصل الطامع والمروّج إلى الكرسي المرغوب البتّة.

أهمّ النعم التي نرجوها من الله، وأهمّ الأرزاق وأبقاها هي (الحكمة)؛ لأنّها تجعل الإنسان قادرًا على إيقاف الكلمة حتى وإن كانت على طرف اللسان، وهي أيضًا مَن تحمي الوطن من الفزعات والإشاعات. ويمنحها الله بمقدار لمَن يستحقّها، فوصف الله ذلك في كتابه الكريم “يُؤتي الحكمة مَن يشاء، ومَن يُؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وما يذّكّرُ إلاّ أولوا الألباب”..

وأخيرًا نقول لأولي الأمر، إنّ المماطلة والتردّد والتأجيل في الإفصاح عن المعلومة، والاكتفاء بثقافة (التسويف) لن تُغني الوطن ولا مواطنيه، لذلك ستبقى البلاد فقيرة بالإنجازات وغنيّة جدًا بِ الفزعات والإشاعات..

وفي هذا المقال نستحضر بعض كلمات من أبيات المتنبّي الذي غار في النفس البشرية وسبق علماء النفس بمسافات، حيث قال:
“وتعظُمُ في عين الصغير صغارها، وتصغُرُ في عين العظيم العظائمُ”..

ونختم بكلام الله تعالى “يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أن تُصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”.. صدق الله العظيم..

حتمًا في بلاد الفزعات والإشاعات سيكون لنا دومًا حديثٌ آخر وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !