متلازمة اللئيم/ة

متلازمة اللئيم/ة
4٬043 مشاهدة

من روائع سيدنا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه عندما قال:
“كُنْ من خمسة على حذر؛ من لئيمٍ إذا أكرمته، وكريمٍ إذا أهنته، وعاقلٍ إذا أحرجته، وأحمقٍ إذا مازجته، وفاجرٍ إذا مازحته”..
أمّا مَن سبر وغار في النفس البشرية “المتنبّي” العظيم فقد قال: “إذا أنتَ أكرمتَ الكريم ملكته، وإن أنتَ أكرمتَ اللئيم تمرّدا”..

مَن اعتاد العطاء وإغداق اليد لا ينتظر المقابل، حتى وإن أصابت يديه جروحًا عميقة، ستبقى تلك الأيدي الكريمة تُنبِت زهرًا وتجود خيرًا رغم كُلّ آلامها.
ليس المطلوب من الآخرين ردّ الجميل؛ وإنّما عدم (نكرانه) في أقلّ تقدير، وتلك سمة الأصيل، ولا يرقى إلى رقيّ الوصول لها سوى مَن تشرّب “الأخلاق” منذ نعومة أظفاره، وهيهات، وشتّان ما بين الأصيل الكريم منذ الصغر، وبين اللئيم دخيل النِعم على كَبَرْ، فماذا نتوقّع من هؤلاء – حديثيّ النعمة – سوى الجحود والنكران، وربّما الإيذاء بعد مدّ أيدي العطاء لهم والوقوف بجانبهم؟! وكيف لا نتوقّع ذلك من لئيم الأصل والتربية؟!

هناك مَن يعزي سمة اللؤم إلى قساوة الظروف التي مرّ بها ذلك الشخص، وهذه هي الصفاقة بحدّ ذاتها، فالإنسان وليد بيئته، صحيح، والأصل بشدّ والعرق دسّاس، وهذا أيضًا صحيح، ولكن ما فائدة نعمة العقل إذًا؟! ولماذا حبانا الله به وكرّمنا بنفحة من روحه دونًا عن جميع مخلوقاته؟! أليس لنستخدمه في التأمّل والتفكّر والتعلّم ثم اختيار السلوك الصحيح؟! فليكن أنّ ظروف اللئيم كانت قاسية وأورثته وحشية الطباع، فمن المحتمل نتيجة لذلك أن لا يبادر بالخير مثلًا، ولكن ما نناقشه هنا هو لماذا يجحد اللئيم وينكر معروف مَن يقف بجانبه ويمدّ له يد العون؟! لماذا يقيس علاقاته الإنسانية حسب مصالحه الضيّقة؟! أليس من الممكن أن يحتاج لمَن خذلهم مرّة أخرى؟! بأيّ عينٍ سيواجههم، على الرّغم أنّ عين الجاحد “شديدة البياض”، ولا يتوانَ عن محاولة الاستغلال والابتزاز العاطفي مرّات لا مرّة واحدة فقط، ثم يعيد الكرّة، وهكذا دواليك. هذا هو طبعه وما ترعرع عليه للأسف الشديد..

لو أمعنّا النظر في علاقات الجاحد/ة الاجتماعية نجد أنّها دومًا فاشلة ولا تستمرّ، وهي قصيرة المدى وآنيّة الهدف في ذات الوقت؛ لأنّها ببساطة شديدة مرتبطة بمصلحة محدّدة تنتهي بانتهائها، فمن النادر جدًا أن نجد الجاحد اللئيم له علاقات طويلة المدى، باستثناء مَن لا مفرّ له منهم، أو مَن تربطه بهم روابط الدم والنسب، وحتّى هؤلاء القربى إن تضاربت مصالحه معهم من السهل جدًا عليه “تقزيمهم”، وتغليب مصلحته الشخصية على مصالحهم، وربّما مقاطعتهم دون أدنى شعور بتأنيب الضمير ولا حتّى الندم..

اعتقد أنّ (الغباء) ملازم لِ اللئيم الجاحد؛ لأنّ الذكي لا يمكن أن يفعل ذلك، فهو دائم الاستثمار في البشر؛ لأنّه يفكّر بشكل استراتيجي بعيد المدى، أمّا “اللئيم الغبي” الذي يمارس (حيلة التذاكي الذاتي)، فهو أخطر على الأسرة والمجتمع من العدو نفسه؛ لأنّه لا يحسب عواقب أفكاره الشريرة وأفعاله المُشينة، وهو من أسوأ الناس خُلُقًا، ولا يفكّر أبعد من أنفه، فإن لم يحقّق أهدافه المرجوّة من العلاقة يشعر بالغضب، وعندما يصل لهذه المرحلة على وجه الخصوص ينسى فضل الآخر عليه تمامًا، وبدلًا من تدارك الموقف وإصلاحه والحفاظ على مَن مدّ له يد العون دون انتظار المقابل، يبدأ بافتعال المشاكل المتخلّقة في عقله فقط، وغير الموجودة على أرض الواقع فعليًا، أضف إلى ذلك براعته في استخدام أحد الميكانزمات النفسية المعروفة بِ (تخليق الفعل) أيضًا دون أن يعي ذلك، ولا يكتفِ (اللئيم) هنا بالجحود ونكران المعروف؛ وإنّما يفتح مخزن اللؤم كُلّه، فيفشي الأسرار التي أئتُمِنَ عليها، وينسى كُلّ لحظات العشرة الجميلة، ويبدأ بالتقوّل على صانع المعروف بما ليس فيه، وقد يفوق الإيذاء ذلك إلى حدّ الرغبة في اغتيال شخصيته، اعتقادًا من الجاحد اللئيم أنّ بإمكانه أن يوقع “صانع المعروف” في شرك شروره، متناسيًا أنّه لا يقع، وحتى إن وقع لا يمكن أن ينكسر، فمَن يصنع المعروف يرزقه الله دومًا بأحد أهمّ أنواع الرزق، وهي كشف حقيقة مَن حوله وفي الوقت المناسب وتخليصه من قباحتهم. اللّهم أجرنا من الوقوع في فخّ هذه النوعية من الناس التي تُظهر عكس ما تُبطِن، وما أكثرهم وأكثرهن..

الجحود واللؤم والنكران هو سُمّ تذوي عليه فضائل الروح، وأجمل النفوس هي التي لا تنكر العشرة ولا تتنكّر للمعروف رغم (شدّة الخلاف)، فمثل تلك النفوس الراقية هي أفضل من ثروات الدنيا كُلّها، كيف لا وهي لا تزهد أبدًا في صناعة المعروف أو تقديره؛ لأنّها تدرك تمامًا أنّ الدهر ذو صروف، وسيُسقى كُلّ ساقٍ بما سقى، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء..

وأخيرًا، نستنتج هنا أنّ (الجحود) متلازمة اللئيم/ة، ولم يكتفِ بذلك بل تعدّاه إلى التمتّع بالغباء أيضًا، بالإضافة إلى فشل العلاقات الاجتماعية (الإنسانية)، تلك هي أهمّ سماته، وما تبقّى اتركه لكم لاكتشافه، فمَن منّا لم يحظَ بجاحد لئيم في حياته؟! ربّما الدروس المستقاة من هذه الفئة من البشر – إن صحّ لنا تسميتهم بالبشر -، تعادل شهادات العلم كُلّه ومن أهمّ خبرات الحياة، اتّعظوا يا أولي الألباب، وتشبّهوا بالعباقرة لا بالأذكياء، أتعلمون ما الفرق بينهما؟! الذكي مَن يتعلّم من (كيسه)، أمّا العبقري هو الذي يتعلّم من (كيس غيره)، ويحمي نفسه عناء التجربة ودفع الثمن، فلا دروس في الحياة “ببلاش”. والباقي عندكم..

أنهي هذا المقال بكلمات أمير المؤمنين علي عليه السلام مرّة أخرى كما ابتدأت، حين قال:
“لا يزهدنّك في المعروف مَن لا يشكره لك كُفرُ من كفره؛ فإنّه يشكرك عليه مَن لا تصنعه إليه ومَن لا يستمتع بشيء منه، وقد تُدرك من شُكر الشاكر أكثر ممّا أضاع الكافر، (والله يحبّ المحسنين)”..

وفي الختام نقول “للأغلبية” اللئيمة الجاحدة والحاقدة: يد الحرّ ميزان، والحرّ تكفيه الإشارة، فنحن اليوم حقيقةً محتاجون إلى كثيرٍ من الأخلاق الفاضلة، تمامًا كحاجتنا إلى العلم والمعرفة والحضارة بأشكالها كافّة ولا سيّما الأخلاقيّة، والأخيرة هي حتمًا الأهمّ.
أمّا (الأقلية) الكريمة المعطاءة نقول لكم، لا تزهدوا في العطاء، ولا تندموا يومًا على صنع المعروف، حتى لو كان في غير أهله، فما ترغبون أن يعود لكم قدّموه أنتم، كيف لا وعجلة الزمن تدور..

حتمًا سيكون لنا من هذا الحديث كمشة حكي أخرى وبقية في ظل هذا (الفساد الاجتماعي) الحالي الذي نخر النفوس البشرية حدّ التسوّس… دمتم..

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “متلازمة اللئيم/ة

  1. فاتح حداد تونس says:

    رائع هذا النص الذي يتجاوز الفكر والنظر إلى إستنطاق الحال والتقدم لنقل إدارة مخاطر العقل والسلوك النبيل فكل ماجاء بالنص هي حقائق أتت بها صاحبته ميدانا ومعايشة وإشارة دالة للنفس التنبيهي والعبقرية التي ذكرت التي تغني عن التجربة بل تحيلنا إلممارسة الحية بثقة الكريم وبإيمان المحسن الفاعل العملي لتجاوز الشعور بجلد الوعي في حين هي بشرى وبشائر اليقين العملي نحو فقه جندر الجنس وجندر الفكر. .. فلا فرق بين لؤم انثى او لؤم ذكر او لؤم مثقف او لؤم جاهل فالجميع سلوك والكرماء باصنافهم فههنا الجندر يبرز فشكرا صاحبة النص .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !