استثمروا في تدريبهم

استثمروا في التدريب
790 مشاهدة

بما أننا نعيش في عصر الثورة الصناعية الرابعة، عصر الثورة التكنولوجية، وبما أن التطور العلمي وتطور وسائل التواصل الاجتماعي بات سريعًا جدًا، إلاّ أننا لم نستطع إلى الآن اللحاق بركب التطور بشكل موازٍ في نظام التعليم ووسائل التربية، ولا حتى في تغيير التصورات الذهنية والاتجاهات الإنسانية. وعليه، أصبح من الملحّ جدًا اليوم لعلاج هذا الخلل أن نقرن العملية التعليمية التعلمية بِ (التدريب)، ولا نكتفِ بالحفظ والتلقين وسرد المعلومات فقط؛ لأن ما يفعله الشخص بنفسه ويخطّه بيديه هو ما يعلق بذهنه، وتدريبه على توظيف المعلومة العلمية في أرض الواقع هو ما يجعلها تختزن بذاكرته، ويخلق لديه مؤهلات بمستوى عالٍ تمكنه من المنافسة الحرّة، طالبًا كان أم موظفًا، وحتى من لم يسبق له الحصول على شهادة علمية، ولم يحظَ بأخذ فرصته وحقه في التعليم، بغضّ النظر عن السبب، سينقذه “التدريب الاحترافي” ويكون بوابة عبوره نحو عالم الأعمال..

المسار التدريبي للطلبة وللموظفين لا يقل أهمية عن المسار التعليمي والمسار الوظيفي، وربما يفوقه أهمية في العصر الحديث؛ لأن المعلومات متوافرة بكثرة ولا تحتاج سوى كبسة زر، أما التدريب فيحتاج إلى مهارات إنسانية، ولا يمكن لأي اختراع أو روبوت أن يحلّ محلّ الإنسان في تقديمها، ويعود السبب ببساطة إلى استخدام الحواس الخمسة جميعها أثناء التدريب ، ولذلك يكون تأثيره كبير جدًا على المتلقّين. وهذا ما يُحدث الفرق في الكفاءة الفردية بين خريجي الجامعات والموظفين، والمحظوظ من أخذ حصته من التدريب لتنمية وتطوير قدراته “مبكرًا”، حتى يتوافق مع متطلبات العصر وحاجات السوق، حينها فقط تُفتَح له كل الفرص.

اعتقد هنا ولستُ أجزم أن التدريب ربما يكون أحد الحلول الرئيسة لمشكلة (البطالة) المتفاقمة في قطاع الشباب؛ لأنها تعطيهم الفرصة لتحديد مجالات العمل التي تتوافق وطموحاتهم ورغباتهم وميولهم، حتى وإن تطلب الأمر أن ينحرفوا عن تخصصهم، فأمسى (انحراف التخصص) مطلب رئيس للسير نحو النجاح والتقدم والثراء في الوقت الحالي.
وأعني بمفهوم “انحراف التخصص” هنا: إعادة تحويل فئة مؤهلة مسبقًا لوظائف بها فائض في العاملين، وليس لها أعمال محددة، وتأهيلها لتصبح قادرة على ممارسة مهنة أخرى يحتاجها سوق العمل، ويحتاجها الشخص لزيادة مدخوله. وينطبق الأمر كذلك على الموظف الذي يمارس العمل نفسه لسنوات طويلة، ولم يعد فيه أية إضافة جديدة، ولا يشعره بإمكانية الترقّي على السلّم الوظيفي، فلا يجد ذاته، وقد يشعر بتبدّد طاقاته، أو عدم قدرته على إخراجها إن بقي في ذات المكان. فهو إذًا عملية منظمة محورها الإنسان، تهدف إلى إحداث تغييرات ذهنية وسلوكية لإشباع حاجات محددة، آنية ومستقبلية، يتطلبها العمل الذي يؤديه، سواء في المدرسة أو الجامعة أو قطاع عام أو خاص.
وهذا لا يحدث سوى بإتقان “التدريب الاحترافي” ودمجه في عملية التعليم ومأسسته في جميع القطاعات. فذلك أفضل بكثير من إتقان “ثقافة الندب والولولة” من قلّة المال وغياب الأعمال، أو التنظير على صفحات العالم الافتراضي الأزرق بكلام لا يُسمن ولا يُغني من جوع..

التدريب التربوي خلال العملية التعليمية التعلمية، وفي سوق العمل كذلك، يُثري كل من الطالب والمعلم والموظف على حدّ سواء، ويُكسبهم (المرونة) الكافية التي تطور لديهم مهارات التكيّف مع جميع المستجدات التعليمية والوظيفية والبيئية والحياتية؛ لأنه يرفض الجمود ولا يقبل ربط عملية التعلّم بعناصر الموقف التعليمي (اللاّمتجدد)، أضف إلى ذلك أنه يزيد “الدافعية” نحو النمو الذاتي، ونحو المزيد من “الخبرات الاحترافية” المتراكمة، التي تقود بدورها إلى رصيد وافر من الخبرات الإنسانية، فيجعل منه إنسانًا أكثر قبولًا لتغيرات ذاته ومجتمعه..
تكمن أهمية التدريب بكافة أشكاله وحقوله، وأهمية “انحراف التخصص” في مساهمته في تأهيل العمالة الزائدة وتوجيهها للعمل في التخصصات التي تواجه عجزًا، كما أنه يحقق الاستغلال الأمثل للطاقات الكامنة وغير المستغلّة داخل المؤسسات، وتحويلها إلى طاقات فعّالة تزيد من الإنتاجية والجودة داخلها.
وبما أننا نواجه اليوم مشاكل في احترام قيم “الولاء والانتماء” لمكان العمل أو حتى للوطن، فإن ما تقدم يضمن لنا زيادة الولاء المؤسسي، والحفاظ على التضامن الاجتماعي بين أبناء وبنات الوطن، وذلك من خلال توفير فرص عمل بديلة للعاطلين عن العمل وذوي الدخل المحدود، بما يحقق لهم دخلًا مناسبًا ليحيا المواطن حياة كريمة بعيدة عن الضيم.

أليس كل ما سبق يساهم في استقرار الوطن؟! ألا يساهم مساهمة بارزة في تعزيز مصالح الدولة عند ربط ناتج التعليم بحاجة السوق الفعلية؟! ألا يزيد من نوعية الخريجين من حيث التخصص والكفاءة لا تكديس أعدادهم فقط؟! ألا يحلّ ما ورد هنا من مشكلة البطالة والمقنّعة منها على وجه الخصوص؟!
اعتقد أن هذه الأسئلة المشروعة في هذا الوقت العصيب، تجيب نفسها بنفسها، بجميع ما ذُكر لا ببعضه، حيث يُعيد توجيه الأفراد إلى مسارات وظيفية تمكّن الموارد البشرية كلها من إطلاق طاقتها البدنية والذهنية الكامنة، نحو مزيدٍ من الإنتاج وبجودة مناسبة تقود إلى تعزيز النمو الاجتماعي والاقتصادي للدولة بأسرها، وهنا فقط يمكننا التخلص من القصور في الأداء والتقاعس عن العمل، وبإمكاننا أيضًا التخفيف من ظاهرة (البلادة) العاطفية والوطنية المتفشية حاليًا..

ردم الفجوة بين النظرية والتطبيق، وبين الأكاديميين والمحترفين ممارسي المهن، بات ضرورة ملحّة، ولم يعد لدينا ترف الوقت لقبول اتساعها أكثر، كيف نقبل بوجودها ونسمح باتساعها ونحن نواجه عملية سريعة ومتسارعة جدًا من التغير الاجتماعي؟! فنحن نواجه (بلدوزر) إن لم نلحقه قطعنا أكثر مما نحن مقطوعين اليوم.

التدريب هو شريان الإجادة وسبيلها، في كل علم وفي كل حقل وفي كل تخصص، ومن خلال التدريب فقط بإمكاننا تحقيق الإتقان والوصول إلى أعلى مراتب الجودة.

وفي الختام نقتبس بعض الحكم من مقولات أهم الناجحين في العالم، ونبدأ في “بيل جيتس” مؤسس مايكروسوفت وثاني أغنياء العالم، حيث قال: (كل منا يحتاج إلى مدرّب، مهما كانت اللعبة التي تمارسها)، كما قال: (غزارة المعلومات لا تعني بأن لدينا المعلومات الصحيحة أو أننا على اتصال بالأشخاص المناسبين). وقال “جيم رون”، أحد أشهر روّاد النجاح وأكبر فلاسفة عصره: (النجاح هو ٢٠٪؜ مهارة، و ٨٠٪؜ استراتيجية، قد تعرف كيف تقرأ، ولكن الأهم ما هي خطتك للقراءة؟)..
أما الفيلسوف سقراط فقد قال: (من صحّ فكره أتاه الإلهام، ومن دام اجتهاده أتاه التوفيق)..

ونحن نقول لكم هنا بخبراتنا المتواضعة لمن يهمه الأمر، ولمن يريد (النهوض) بالمجتمع، استثمروا في (تدريب) أبنائكم وبناتكم، وطلابكم، وموظفيكم، فنحن في سوقٍ عصري متعولم يحتاج إلى “الاحتراف” بقدر حاجته إلى المعلومة، فالأول بإمكانه توظيف الأخيرة بمهنية محترمة..

اعتدنا في مقالاتنا السابقة على وصف الواقع البائس ومشاكله اللامتناهية، إيمانًا منا بأن تعريف المشكلة هو ثلثي حلها، ولكن وجدنا أن الناس بحاجة إلى دفعة من الأمل في ظل كآبة الواقع ومآسيه، فاخترنا الكتابة عن الحلول وطرق التغيير، وبدأنا ذلك من مقال الأسبوع الماضي، ولأن شعارنا هو (التغيير الاجتماعي الإيجابي)، سيكون لنا على شاكلة هذه المواضيع دومًا حديثٌ آخر وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Don`t copy text!