جعلكتوا المواطن

جعلكتوا المواطن
1٬458 مشاهدة

العلاقة بين الحكومة والمواطنين منذ سنين قائمة على (الابتزاز العاطفي) دون أدنى شكّ، وهي علاقة قديمة متجدّدة ضمن هذا التعريف، تجلّى “الابتزاز العاطفي” المُطبق على صدر المواطن والوطن في مشاهد كثيرة منذ عمر الحكومة الحالية، بدأت القصة بالضريبة التي أطاحت بالحكومة السابقة وجاءت بهذه الحكومة، فعادت ذات الكرّة وربما أكثر، ومرّ الوطن في عهدها بأزمات كثيرة، لعلّ أقساها على الإطلاق على الجميع دون استثناء تتجسد حاليًا في “مطالب المعلم” – محلّ الخلاف – فهل من مُعتبر ؟؟ ونخشى أن لا تكون هذه الأزمة هي الأخيرة، لا سمح الله..

وعلى الرغم من محاولات الحكومة المريرة (للتذاكي) على المواطنين لتجميل قراراتها المتخبطة غير المتناغمة في تصريحات أعضائها، إلاّ أنّها ما زالت تعوّل على ما تبقّى في جيب المواطن المسحوق، وما زالت تضرب آمالهم وتوقّعاتهم عرض الحائط، ولكن هذه الحكومة تغافلت عن قصد أو بدونه، لا فرق، أن حيلة “التذاكي” الذاتي هي حيلة نفسية قديمة ومكشوفة جدًا؛ فلم تعد تنطلي على الشعب الذي (أيقظه) الضرب الموجع على رأسه وجيبه من سباته العميق، بسبب (الضرائب) الكثيرة اللامتناهية واللامنطقية في ذات الوقت، التي طحنت (دخل) المواطن، فارتفع سعر وقيمة كل شيء باستثناء المواطن ومعاشه.
والنتيجة الحتمية لهذا الاستخفاف والاستغلال أمسى المواطن في جميع القطاعات والمهن واعيًا جدًا وجدًا، ولا يثق بأيّ مسؤول ولا بوعوده للأسف الشديد؛ لأنّ التجارب السلبية المتراكمة للوعود الحكومية كثيرة، وتذهب في كل مرة أدراج الريح، وهذا يفسّر التعنّت الشعبي الحالي لمطالبه أو بالأحرى لحقوقه المتآكلة..

ونحن وإن أسقطنا تعريف (الابتزاز العاطفي) العلمي على العلاقة الحالية بين طرفي النزاع، في حلبة الصراع الدائر بين الحكومة المتذاكية والشعب الزهقان، فاقد الثقة فيها كسابقاتها، نجد أن تلك العلاقة هي أفضل مثال تعبيري وتصويري وواقعي أيضًا لأحد أشكال “التلاعب النفسي” في إطار ما يسمّى بِ (الابتزاز العاطفي).
الحكومة هنا هي الطرف الأول المُبتزّ عاطفيًا للطرف الثاني الضحية وهو (المواطن)، حيث تستخدم منظومة من التهديدات المباشرة وغير المباشرة، وأحيانًا تلجأ إلى “الشيطنة”، بالإضافة إلى أساليب أخرى مختلفة تتراوح بين العقاب والتقييد مرّة، وتكميم الأفواه وغيرها من الضغوط والحيل (المكشوفة) مرّات ومرّات، ممّا يزيد الطين بلّة في كل أزمة.
كل ذلك وأكثر من أجل السيطرة على عقل المواطن وتوجيه سلوكه وفقَ مصالحها، والأهم طبعًا الاستمرار في خزق (جيبه)، وذلك لسدّ عجز موازنتها وعجزها هي أمام مواجهة طوفان الفساد، حتى بات المواطن أسيرًا “للضباب النفسي” وضبابية المشهد الوطني المرهق جدًا..

ونتيجة لذلك سادت اليوم ثنائية متضادة قبيحة جدًا؛ فإمّا الفوضى وإثارة الفتن الداخلية، وإمّا التشبّث بمنظومة (الأمن والأمان)، خصوصًا بعد الدروس القاسية التي عايشناها في ظل الربيع (العبري)، وما شهدته الأقطار العربية الشقيقة عندما تجرّأت شعوبها وثارت على الظلم والعوز والفقر طلبًا للعدالة، فجازفت بل و”قامرت” في أمنها وأمانها، ومقابل ضمان الأخيرة عندنا، يجب على الشعب الخضوع التام لإملاءات صندوق “الفقد” الدولي، وغضّ البصر على منظومة الفساد، وإلاّ سيحدث ما لا يُحمد عُقباه أيها الشعب كما حدث لأشقائنا وجيراننا..

الشعار المطلوب من الشعب رفعه الآن (لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم) وإنّما (أدفع وأتحمل، ثم أدفع وأتحمل) فقط، وبخلاف هذا السلوك الذي يفرضه “الواجب الوطني”، ستدفع الثمن الباهظ جدًا أيها الشعب الأردني العظيم المغلوب على أمرك؛ فأمامك خياران لا ثالث لهما، وكلاهما في المُرّ سيان، فإمّا الوطن واستقراره وإمّا جيوبكم وسكوتكم، فماذا تختارون ؟؟!! ومش شغلك يا مواطن، إدفع وتحمل وإنت ساكت..

هذا هو “الابتزاز العاطفي” بعينه، وبأسوأ أشكاله وتجليّاته، هذا ما تمارسه الحكومة حاليًا على المواطنين، حتى أمسى الوطن (رهينة عاطفية) بين طرفي الابتزاز؛ الحكومة المُبتَزّة والشعب الضحية، وكاسك يا وطن..

ومن المعتاد في سلوك المُبتزّ عاطفيًا إشعار الضحية بمزيج من مشاعر (الخوف، والشعور بالذنب، والالتزام)، وهذا تمامًا ما اعتادت الحكومة ممارسته على المواطنين، “إشعارهم بالذنب” للتخلّي عن مطالبهم من أجل الحفاظ على الوطن، وبناءً على ذلك، يجب على المواطن حُكمًا الاستمرار في الشعور بالخوف والتعاون مع الحكومة والالتزام بما تمليه عليه، حتى وإن تطلّب الأمر إفراغ جيوبه المخزوقة أساسًا، عدا ذلك سيضيع الوطن أو قد تسقط مؤسساته وربما ينهار الدينار لا سمح الله!!
وهل هناك مثال صارخ أو أوضح من الشمس في تلك العلاقة لتمثيل مرض (الابتزاز العاطفي) القبيح ؟؟!! لست اعتقد وربما أجزم بحتمية “اللاّ” في الإجابة..

من المعلوم في التشخيص النفسي عندما تجتمع تلك الأعراض (الشعور بالذنب، الخوف، والالتزام) تكون نتاج التعرّض الشديد للابتزاز العاطفي في علاقة مع طرف مُصاب (باضطراب الشخصية)، والمواطن هنا هو ضحية علاقة مع حكومات متعاقبة متخمة بابتزازه عاطفيًا منذ وقتٍ طويل!! أترك بقية التشخيص لكم أيها القرّاء لأنه ببساطة معلوم لدى الجميع..

الأفلام المحروقة والمفبركة التي تُعرض لنا بين الفينة والأخرى أضحت مكشوفة جدًا، وكوميدية كثيرًا، وتُثير الضحك حدّ الاختناق لدى المواطن (الواعي) في أقلّ تقدير، حتى وإن خضعت للتجديد في سيناريوهاتها أو الترميم لإسطواناتها، فلن تلقى قبولًا شعبيًا حاليًا، لا شكلًا ولا مضمونًا، كيف لا وهي ابتزاز عاطفي مفضوح يُمارس على الشعب؟!

فهل يا ترى عندما تمارس الحكومة سلوكات ابتزاز عاطفي على المواطنين، هل هناك احتمال أنّها تعاني من “الاضطراب” وفقًا لمعايير التشخيص الطبّي المذكورة هنا في فقرة سابقة ؟؟!!
اعتقد أنّ الجواب يكمن فيما تحمله لنا قادم الأيام، والله يستر..

الابتزاز العاطفي المزمن الذي خلق حالة من الإذعان المزمن أيضًا له عتبة تحمّل، وبعدها لن يستطيع المواطن تحمّل حدّة الاستخفاف والاستهزاء، ولا الإيذاء للكبرياء، ولا مرارة لقمة العيش والماء..

الرفض الشعبي لتدابير قاسية محدّدة من المتاح جدًا أن يتم تعميمها نحو رفض كل شيء، وربما تكون مقدمات (عصيان مدني) لا قدّر الله، فهو أبعد ما نرضاه ونتمناه لوطن نرنو إليه بقلوبنا وأرواحنا ونحمله بين الجفنين…

وفي الختام أقول لمن يهمه الأمر؛؛ لا تكونوا كالعالِمْ المغرور الذي يدير مختبرًا للسموم مقنعًا نفسه بالمناعة من الضرر وبالسيطرة التامة…

تحليل الظواهر المرضية لا سيّما الأحداث الحالية، من المنظور النفسي والاجتماعي، دومًا لنا منه حديثٌ آخر وبقية… دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !