لمّا يهرب الرجل

الهروب (لما يهرب الرجل)
1٬704 مشاهدة

الظاهرة القديمة المتجددة التي يعاني منها كثيرٌ من الرجال والنساء حاليًا وتسبّب الكثير من الخيبات والخذلان، وللمرأة على وجه الخصوص، هي “الخوف من الارتباط”، واعتباره طوقٌ مُرهِق وقيد مُطبِق، يشتهر في التشخيص النفسي بِ (الجاموفوبيا) أو رهاب الزواج، يكون سببه “مرضي” في بعض الحالات، أو قد يكون “حجّة” للانسحاب و الهروب في حالات كثيرة، رغبةً في التجديد المستمر لمن يعاني من (شَرَهْ) تعدّد العلاقات، والثانية غالبًا ما يكون نجومها من الرجال، وفي كلتا الحالتين لا يخرج توصيف هذا السلوك عن كونه “خلل نفسي” يستدعي العلاج وبسرعة، سواء كانت سلوكًا مرضيًا، أم سلوكًا لا أخلاقيًا، وما أكثر الحالة الأخيرة التي تتخفّى تحت مظلة الأولى للأسف الشديد..

تظهر أعراض “الهروب من الارتباط” عند استشعار أحد الطرفين برغبة الآخر في الزواج، أو عند اقتراب موعده، وتتراوح الأعراض ما بين الارتجاف والرغبة المستمرة في البكاء، وما بين الاختفاء فجأة وافتعال المشاكل دون سبب، ويترافق ذلك بالطبع مع تصاعد حالة القلق المرتبطة بمشاعر الخوف الشديد، والتي تتملّك الشخص وتؤثر على حياته بشكل سيء إلى حدّ فقدانه لقدراته الوظيفية وتراكم خساراته من رصيد علاقاته الاجتماعية، وربما يشعر بأنه أضحى منبوذًا مما يزيد لديه الرغبة في (العزلة) بسبب طغيان شعوره بالذنب، ويستمر في تكرار ذات السلوك بحلقاتٍ مُفرَغَة تُعيد إنتاج ذاتها باستمرار، فتتّسع رقعة فكرة تجنّب الزواج في دماغه وتترسّخ ضرورة الهروب منها.
وتستقرّ الفكرة وتتموضع، وتستمرّ في التمدّد، الأمر الذي يضخّم المشاعر السلبية المرتبطة بها، لتعيد الكرّة بذات السلوك مرّات ومرّات، إلى أن تصل إلى الحدّ الذي لا يمكن السيطرة عليها إن بقيت دون معالجة بشكل صحيح ومن قبل المختصين.
وهذه الحالة مرهقة لصاحبها تمامًا كما هي مؤلمة للطرف الآخر، وعلى الرغم أنه ليس بإمكاننا تعميم ذلك السلوك المُتعب على جنس دون آخر، إلاّ أنه من المعلوم أنه شائع جدًا بين الرجال..

الخائف من الارتباط يكون دومًا خلاّقًا للحجج الواهية ويتفنّن بتنويعها لِ الهروب من الالتزام، وربما تكون حججه غير موجودة أصلًا، وإن وجدت يكون حلّها سهل جدًا أمام تضخيمه لها، ورغم ذلك يبقى متمسكًا بها مهما بلغت فداحة خسائره، ومهما عَظُمَت المواقف المحرجة التي يضع نفسه والآخر بها، ناهيك عن المشاكل والإحراج الذي قد يسببه لنفسه ولعائلته وللآخرين..

تعريف المشكلة هو ثلثي حلها، واكتشاف أسباب مشاعر الخوف الهائلة غير المبرّرة يمكّننا من التغلب عليها، وهذا يقود بدوره إلى التخفيف من حدّة “فوبيا الزواج” وخسائرها الوخيمة على صاحبها أولًا وأخيرًا، فقد يخسر فرص لا يستطيع تعويضها، أضف إلى ذلك زيادة عدد أعدائه من الجنس الآخر، أما إضاعته لسنين عمره فهي حكاية بحدّ ذاتها ووقود لقلقه، حيث يبقى يراوح مكانه وهو يرى كل من حوله قد سبقه بمسافات من حيث الاستقرار والشعور بأمان الأسرة مقابل استسلامه للقلق؛ لأن فرق السرعة بينه وبين الآخرين من عمره يشحن الأفكار السلبية المسيطرة عليه، ولن يتقن حينها سوى ثقافة الولولة والندب على ما فاته، فيضيع ما تبقّى من سنين عمره بالحزن على سابقاتها، وبذلك يكون لم يَعِش حياة ولا حتى أنصافها،، اتعظوا يا أولي الألباب فالعمر حياة كاملة وليس بعزقة..

أسباب “رهاب الزواج” كثيرة لسنا بصدد ذكرها جميعها هنا، وبمعزل عن غلاء المهور وتكاليف الزواج الباهظة والبطالة وصعوبة تغطية تكاليف الحياة وغيرها من الأسباب المعروفة، فإن السبب الشائع لوجوده هو ما ينجم من صلة الذاكرة بتجارب سابقة مؤلمة سبّبت لصاحبها (تشوهات معرفية) أبقته أسير حفنة من الأفكار السلبية الجامدة غير القابلة لا للإزاحة ولا للإحلال، بسبب غياب (الإرادة) الحرّة القوية، وسوء إدارة المواقف من قبل المأزوم، فيتمسك بها بدلًا من التخلص منها، ويميل نحو الاشمئزاز من الارتباط بسبب الصور السلبية المرعبة في دماغه عن الزواج، وليس بسبب مؤسسة الزواج بشكل مباشر.
وينعكس ذلك على تطبيق هذا الشخص لآلية (الاستدماج)، وهي إحدى حيل “الدفاع النفسي”، فيؤكد له عقله الباطن أن أي علاقة طويلة أو أي علاقة يُقدم عليها قد تقود إلى الزواج، لن تكون سوى نسخة مكرّرة من التجارب السيئة التي مرّ بها، وهذا حاجز كبير جدًا ليس بإمكانه تجاوزه إطلاقًا ليأخذ خطوة جادّة في قرار الزواج، فيبدأ بلعبة (الاختفاء) ليتمكّن من الانسحاب وسهولة الهروب ، وهناك منهم من يفضّل الدخول في العلاقات قصيرة المدى المتكررة لمنع نفسه من التفكير في الزواج، وقطع الطريق على الطرف الآخر بسبب قصر زمن العلاقة..

الإحجام عن الخوض في تجربة الزواج أو عدم الإقدام عليه تعتبر حالة مرضية بامتياز إن لم تكن لها أسباب منطقية واضحة؛ لأن امتناع الشخص عن إكمال حياته مع الشريك الذي اختاره بعناية ويحبّه حبّ شديد يمنعه قلقه من اتخاذ قرار مصيري قد يشكّل نقطة تحوّل جميلة في حياته، وإن لم تستند أفكاره على حجج عقلية ستتحول إلى سلوكات تزيد من خساراته الاجتماعية من ناحية، وعدم تقديره لنفسه وإيلامها وتغذية الوساوس النفسية من ناحية أخرى.
ويقود هذا الوضع إلى الاكتئاب والاضطراب النفسي، كما يؤدي إلى الشعور بالذنب والمزيد من التشاؤم، أما تقلّب المزاج الذي يشتّت الأفكار ويسبّب تردّد الآراء ولخبطة المشاعر، يشتدّ عند العثور على شريك الحياة المناسب، والشعور بالسعادة عند التواصل معه والمتعة برفقته، وتبدأ هنا ذات الدائرة المرهقة، فيقتات على كثرة التفكير في المجهول، وهكذا دواليك في كل مرة، فتلك طريقته وذلك زاده، ولن يتغير إن لم يكن قرار التغيير نابع من داخله بقناعة تامة والتزام حقيقي..

وينتشر رهاب الزواج بكثرة بين مرضى القلق والاكتئاب، فالخوف الشديد الذي يلازمهم يجعلهم يتراجعون عن إتمام أي علاقة أو أي خطوة قد تقودهم نحو الزواج، لا يوجد سبب واحد محدّد لذلك، فقد يكون انعدام الثقة في النفس أحد أسبابه، أو عدم الإقبال على الحياة، وربما انخفاض الطاقة الجنسية والثقة في الأداء، وقد يكون هناك أسباب أخرى كثيرة تختلف باختلاف الجنس والعمر والبيئة والخلفية الاجتماعية والثقافية، وغير ذلك من الظروف وتنوّع الخبرات الإنسانية والتجارب الشخصية..

أما أسباب انتشار هذه الظاهرة بين الرجال على وجه الخصوص فهي كثيرة جدًا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، سعادته في العزوبية التي تمنحه فرصة إحاطة نفسه دومًا في المعجبات وعدد كبير من النساء لا واحدة فقط، وإن تزوج سيفقده بريق اهتمام النساء وملاحقتهن له، فهو يعرّف ذاته ويستمدّ ثقته بنفسه بناءً على عدد معجباته، وإن ارتبط سيضطر إلى الالتزام بواحدة فقط، وهذه الفكرة بحدّ ذاتها تخيفه جدًا، فيهرب من فكرة الزواج ليهرب من الاكتفاء بامرأة واحدة فقط مدى الحياة، حتى لا تتأثر ثقته بنفسه المرتبطة بوجود النساء حوله، ويشعر بأنه لن يعود مرغوبًا إن التزم بعلاقة رسمية، وهذا ينطبق على (زير النساء) أيضًا، ذلك الذي يلجأ إلى الخيانة إذا تم إجباره على الزواج، وربما يلجأ إلى الطلاق إن لم يستطع ممارسة هواياته في جمع أعداد غفيرة من النساء حوله..

لا يدرك كثير من الناس أن هناك اضطرابًا نفسيًا يُعرف بِ (جاموفوبيا) أو رهاب الزواج، وأن له أسبابه وأعراضه، مما يجعلهم كثيري الضغط على المصابين به لاتخاذ قرار الزواج، غير مدركين على الإطلاق لطبيعة مرضهم وغير آبهين لما يعانونه فعلًا.
ويعيش الكثير من المصابين به في عزوبية أبدية نظرًا لخوفهم من الدخول في علاقات جديدة، وعدم قدرتهم على الاستمرار في علاقات مستقرة. الهروب

وأخيرًا نقول لمن يهابون الزواج مرضًا كان أم فراغة عين، أن ضمان النجاح في مؤسسة الزواج يتطلب بالدرجة الأولى اختيار الشخص المناسب، لكن الأهم أن تكون أنت الشخص المناسب أيضًا، وقبل أن تبدأ رحلة البحث عن نصفك الآخر، تأكد أولًا أن نصفك الأول مكتمل ومستعدّ لتكميل النصف الثاني..

مؤسسة الزواج تتطلّب مؤهلات شتّى، والشريك الذي لا يغفر للآخر هفواته الصغيرة حتمًا سيمنع نفسه من ترف التمتّع بفضائل الزواج الكبيرة..

دومًا لنا في قضايا المجتمع الجندرية حديثٌ آخر وبقية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “لمّا يهرب الرجل

  1. محمد قطيشات says:

    و لا تنسى منظمات القوانين التي اقراءت منذو عشرون عام من هنا يفضل الرجل إقامة علاقة خارج نطاق الأسرة (الزوج)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !