كلام ممنوع

كلام ممنوع
2٬236 مشاهدة

التقاطع الشائك في صراع الفكر الإنساني حول قضايا جدلية هو الذي يصنع (المنحنيات)، واسمها يكفي للإشارة على عِوجها وانحرافها المرير.. ممنوع

اعتدنا على “حرمة الكلام” في إطار التابوهات التقليدية المعروفة بوسم “الثالوث المحرّم” (الدين، الجنس، والسياسة)، أما اليوم وفي ظلّ انفتاح وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظلّ (الديمقراطيات المزعومة) فرّخت تلك التابوهات أحفاد جديدة امتدّت إلى فضاءات أخرى ليست أقلّ شأنًا على الإطلاق؛ فتفرّع عن كل ضلع من أضلع الثالوث المحرّم ثالوث جديد بما يناسب المرحلة، وبأدوات عصرية أكثر تشدّدًا من سطوة المحرّمات التقليدية، ولكن، تبقى (تجارة الدين) دومًا على رأس الثالوث وأحفاده. كيف لا وهي التجارة الوحيدة الرائجة في عصر الانحطاط الفكري والتراجع القيمي والانحلال الأخلاقي لأمّة اقرأ التي لا تقرأ..

أمسى انتقاد المذهبية والطائفية والجهوية والمناطقية والعشائرية، وانتقاد الأخطر وهو (التطبيع)، وما شابه ذلك هو (تابوه)، وحتى انتقاد “صمت الحكماء” وصمت الأخيار أمام طغيان الأشرار، بات من التابوهات كذلك، تلك هي “بعضٌ” من الأمثلة وليس الحصر من الأحفاد العصرية للتابوهات التقليدية، والأخيرة رخت شدّتها أمام قوة أحفادها الجدُدْ !!

تابو السياسة التقليدي مثلًا خفّت قبضته مقابل (الخَدَر) العاطفي والشلل الفكري المصابة به الشعوب العربية جميعها دون استثناء؛ فلم يعد شيئًا مرفوضًا ولا حتى مستهجنًا وإن ضاعت الأوطان وتقسّمت.
وكذلك الأمر لتابو الجنس التقليدي؛ فالتكنولوجيا الحديثة وأدواتها عرّت وباللون الأحمر كل ما كان مستورًا وخطًا أحمرًا، وكل ما يُمارس من تحت لتحت.

أما التابو الديني التقليدي والفهم المنغلق للدين فحدّث بلا حرج، وما يحدث من نموّ واستنساخ للجماعات المتطرفة التي تظهر لنا بأسماء جديدة حسب ما يناسب المرحلة والأطماع الاستعمارية وغيرها، هو نتاج شعار “ممنوع اللّمس أو الاقتراب”، فأصبح الخَلَفْ أكثر خطرًا من السَلَفْ على الجميع وعلى الأديان ذاتها..

محاذير الغوص في بحور عميقة ومناطق جديدة يقف حائلًا بيننا وبين الخوض في تجارب حديثة، وبين التعلّم من خبراتنا السيئة القديمة؛ ففقدنا بوصلة النقد نحو الإبداع الخلاّق، وأحد الأسباب لذلك يعود إلى غياب التناغم ما بين ثنائية (الحضارة والفكر) ؛ فالأولى لا تسير في صيرورتها بخطٍ متوازٍ مع تطور الثانية، لا بل ما يحدث اليوم هو العكس تمامًا، فالتقدم التكنولوجي قادنا إلى السير نحو “الخلف” ولكن (بكفاءة أفضل)، ولعلّ الواقع الحالي يشي بذلك بجلاء ووضوح وبشكل مفضوح..

فلم يعد ما يرعبنا هو الحديث عن تلك التابوهات التقليدية المعروفة، وذلك لأنها أنجبت وتكاثرت بشراسة، وصار لها خَلَفْ أشدّ ضراوة منها؛ فلفّت الحبل حول عنق الإبداع والتطور فخنقته وأسقطته صريعًا على محراب (الخوف). وعاشت على أنقاضه – أي الإبداع – الكثير من العقول المتحجرة (والمبرمجة) بقباحة، وبشكل يعكس التناقض الصارخ بين المظهر العصري والجوهر الحصري حول التابوهات الثلاثة المحرّمة؛ فوقعنا جميعًا ضحايا لكلّ ما هو مقدّس بكلّ أشكاله، أشياء وأشخاص على حدّ سواء، واكتفينا بالإذعان والقبول، دون حوار، للنسخ واللصق والنقل، ودون دليل يحاكي العقل كما يحاكي العصر.

عصر وسائل التواصل الاجتماعي الحديث بدلًا أن يساهم في خلاص المجتمع من ذلك الثالوث أو (تفكيكه) في أقلّ تقدير، ساهم في ترسيخه وتأصيله للأسف الشديد؛ لأنه مُتخم (بالميليشيات) والعصابات الإلكترونية، فالعنف الافتراضي (التابوهي) الذي برز في فضاء السوشيال ميديا ولّد عنفًا موازيًا مقابله، جعل لأصحابه شهرة أكبر، وانتشارًا أكثر، وتأثيرًا أعمق، تحت العنوان الجديد (إنفلونسرز) رغم سذاجتهم الكثيرة وثقافتهم القليلة وأجنداتهم المثيرة، وما أكثرهم/هن..

نحن جميعًا إفراز هذه البيئة وثالوثها المحرّم التي أرهقتنا كما أرهقناها وأشبعناها شتمًا، وعلى الرغم من كل الحضارة الحالية إلاّ أنها (مزيّفة) كما هو “الوعي” الآن مزيّف، فما زالت جرأتنا منقوصة للكتابة بوضوح وصراحة عن أي ظاهرة مَرَضيّة، فردية كانت أو مجتمعية، إن اقتربت من ذلك الثالوث وأحفاده، وما زلنا نلجأ إلى الرموز مرّة، وإلى اللّف والدوران مرّات حتى نفلت من سطوة (وكلاء) ذلك الثالوث المحرّم وحربهم الشرسة؛ لأن نتيجتها “اغتيال الشخصية” في أحسن الأحوال، وهدر الدم في أسوأها، وبخلاف ذلك سيكون الثمن باهظًا جدًا وجدًا، وكثيرون هم وكثيرات هنّ من دفعوا بحياتهم ومستقبلهم وسمعتهم وربما حريتهم مقابل جرأتهم، هذا هو حال المثقف حاليًا بكل أسف وحسرة. (فالتخوين والتكفير ونشر الرذيلة) هي اتهامات بقوالب جاهزة دومًا لكل من يقترب أو يمسّ أي ضلع من الثالوث المحرّم أو أحفاده الجُدُدْ..

لا ننكر بالطبع وجود من يبحث عن الإثارة والشهرة أو التسحيج والمجاملة لنيل منصب مثير أو مقعد حرير أو الحصول على مال وفير، وتلك عوائق أخرى إضافية أمام “تدفّق الإبداع” بشكل انسيابي مقابل التابوهات القديمة والحديثة على حدّ سواء..

أؤمن تمامًا أن (التغيير) الحقيقي لا يمكن أن يحدث عكس التيار، والاصطدام بالثالوث المحرّم يُواجَه بكدمات موجعة لا تزول آثارها مع الزمن، أو ربما بطعنات قاتلة؛ فحتى اختراقه يحتاج أيضًا إلى (إبداع) ولكن بحذر، ودون توجيه لكمات مباشرة، فنحن نريد العنب لا أن نحارب الناطور، وإفادة المجتمع وتوعيته هي الغاية المُثلى..

الرسائل الناعمة تارة والمبطّنة تارة أخرى التي “لا تجرح” قد تكون أكثر نفعًا من الاستفزاز والإثارة في كثير من الحالات، كما أن خرق التابوهات دون (رؤية ورويّة) ودون قضيّة كذلك، تُدمي صاحبها وتُبعده نحو الضجّة والإثارة دون أدنى فائدة تُرجى؛ فتُطفىء بذلك شعلة الحُجّة والإنارة بصريح العبارة ودون حذر للإشارة..

من المعلوم أنّ غذاء الروح هو القراءة والمعرفة، تمامًا كما هو الأكل والشرب غذاءً للجسد، فالقراءة هي الوسيلة الوحيدة للتفكّر ومقابلة الفكر المتحجّر بالحجّة والمنطق.
اقرأوا يا أُمّة اقرأ؛ فالقراءة هي فقط من تحمينا من القيود تمامًا كما تحمي السماء هواءها من السدود، وهي ذاتها من تجعلنا قادرين على السباحة بصمود أمام موجٍ عاتٍ أو تيار ماء أهوج.
وتعلّموا أيضًا (الصمت) من الثرثار (والتسامح) من المتعصّب (واللين) من الغليظ، وبعد أن تتعلموا تلك “الفضائل” لا تعترفوا بجميل أولئك المروّجين والمعلّمين للرذائل..

اكتبوا واقرأوا وتفكّروا كما تريدون أنتم لا كما يريدون هم؛ واعلموا أن العنف والمنطق (ثنائية متضادة) من المستحيل جمعهما معًا لا في العقل ولا في الوطن..

أختم بمقولة جميلة للكاتب المصري الساخر جلال عامر: “مجتمع لا يهمه الجائع إلاّ إذا كان ناخبًا، ولا يهمه العاري إلاّ إذا كانت امرأة“…

حتمًا ودومًا سيبقى لنا من هذا (الكلام ال”ممنوع”) وغيره حديثٌ آخر وبقية… دمتم…. ممنوع ممنوع ممنوع

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !