لا تُسقِط عيوبك على غيرك

العيوب - لا تُسقِط عيوبك على غيرك
1٬868 مشاهدة

عندما تتعامل مع شخص ويبدأ بانتقادك واتهامك بما ليس فيك، وأنت متأكد من وجود تلك “العيوب” فيه هو وليس أنت، إعلم تمامًا أن هذا الشخص يقوم بممارسة أحد الحيل “اللاّشعورية” التي تُسمّى في التوصيف النفسي (ميكانيزم الإسقاط)، فيلجأ إليها كعملية هجوم مضاد يحمي نفسه من ألم وجودها لديه، وهي حيلة رديئة ومكشوفة، فيقوم بإلصاق عيوبه ونقائصه وأفكاره الخاطئة ورغباته المحرّمة بالآخرين؛ لأنه يعجز عن مواجهة نفسه بها وإصلاحها، لا بل ينكرها كذلك، فيصبح رميها على الآخر (البريء) منها كل البراءة أسهل عليه بكثير، وأخفّ وجعًا.

ويستمرّ هذا الشخص كذلك في لوم الآخرين والأحوال والظروف على ما فشل هو في القيام به، ومقصده من إلقاء تبريراته وأعذاره اللاّمتناهية، هو التهرّب من المسؤولية لأيّ فشل وقع هو فيه في ناحية ما من نواحي حياته، فيمسي لوّامًا، ويمارس (دور الضحية) بأن الخطأ دومًا من الآخرين وليس منه، فلا يحمّل نفسه الحدّ الأدنى من المسؤولية لسلوكه وزلاّته وأخطائه وما يقع به من مصائب، فذلك الشخص سلبي جدًا، وكثير الشكوى، ويعشق النكد، ويُتقن فنّ الولولة والندب دون البحث عن الحلول إطلاقًا، لذلك التعامل معه صعب جدًا..

وحتى نفهم عملية الإسقاط النفسي، يمكن تشبيهها إلى حدّ كبير بجهاز (البروجيكتر) التعليمي، فنضع المعلومات المُراد نشرها على الشفافيات البلاستيكية، ونقوم فيما بعد بتسليط الضوء عليها وتكبيرها لإسقاطها على الحائط المقابل لها، فتظهر الصورة وكأنها تخرج من الحائط أو جزء منه، في حين أنها موجودة في الحقيقة في جهاز “البروجيكتر” الذي يُخرج ما بداخله ويُسقطه على غيره..

وإن دققنا النظر بمن حولنا اليوم، فكم (بروجيكتر بشري) ما بين مقلّ ومستكثر من تلك الحيلة النفسية المرهقة جدًا سنجد يا ترى؟!
ربما لن تميزوهم مباشرة، أو قد مرّوا عليكم ولم تستطيعوا تفسير ما بدر منهم، وماذا حصل، ولكن هذا المقال سيزودكم بسماتهم وأعراض إسقاطاتهم، والأدوات التي تجعلكم تلتقطون تلك النوعيات مباشرة، لحفظ ماء الوجه وتجنّبًا لإضاعة المزيد من الوقت والجهد والتكلفة معهم، وحمايةً للنفس من سمومهم النفسية وطاقتهم السلبية، فمثل تلك النوعيات نسميهم (سارقو الطاقة)..

الإسقاط حيلة نفسية شائعة جدًا بين الجنسين على حدّ سواء، تنمّ عن ضعف الثقة بالنفس، وأعني هنا الثقة بالنفس الداخلية الحقيقية، لا الثقة الخارجية “المصطنعة” التي يوهم ذلك الشخص الآخرين بوجودها، رغم عدميتها. ويعزو من خلال حيلة الإسقاط أحاسيسه ومشاعره وعواطفه المكبوتة داخله للآخرين، وكأنها فيهم وليس فيه، فلا يعترف إطلاقًا أنها موجودة داخله، ويلجأ لها ذلك الشخص وهمًا منه أن هذا السلوك سيقلّل من مستوى قلقه وتوتّره، وأخفّ تأثيرًا عليه من مواجهة ذاته بسمات غير محبّبة، فمن الأسهل عليه إلصاقها بالآخرين بدلًا من الشعور بالوجع والألم والذنب بأنها لديه هو لا في الآخر أو الآخرين، ويكثر استخدام “دفاع الإسقاط” لدى هؤلاء الأشخاص كلما ضعفت معنوياتهم وزاد إحباطهم، أو زادت همومهم ومشاكلهم، فيقتاتون عليه بجدارة..

المُصاب بالإسقاط يتّصف بالشكّ والحذر الزائد من الناس، مهما كانت صفتهم ومهما بلغ قربهم منه ونحوه، ويتّصف أيضًا بالاعتداد بالرأي والغرور الزائد، وميّال للجدل والعناد والتحدّي والخصومة، ودومًا لديه مجموعة جاهزة من التبريرات والأعذار لإلقائها على غيره، فالخائن مثلًا يتهم الآخر بالخيانة، والكاذب يتهم الآخر بالكذب، والفاشل يتهم الآخر بالفشل، وقيسوا ذلك السلوك على كل شيء، وأكثر ما تظهر تلك الحيلة النفسية المزعجة في العلاقات العاطفية، وخاصة إن كان أحد الأطراف يحمل “السمات النرجسية” أو مُصاب باضطراب الشخصية النرجسية، وحسب المشاهدات، فإن أغلب من يمارس ذلك هو الرجل على المرأة التي تربطه بها علاقة عاطفية أو خاصة، فيرهقها بكل عيوبه عندما يتهمها بها، في حين أنها أصلًا تكون متجذّرة في شخصيته، كأن يتهمها بأنها مغرورة أو عنيدة أو أنانية مثلًا، وهو في الحقيقة من يحمل تلك الصفات ويرميها عليها، وكأنها (مرآة) يصف نفسه فيها.
ولأن من يمارس تلك الحيلة بوعي أو دون وعي، لا فرق، يحترفها بامتياز، فيعتبرها سلاحه الوحيد للهروب من العلاقة، وممارسة (لعبة الاختفاء) بحجّة تلك الاتهامات الباطلة، دون اكتراث منه بأنه بهذا السلوك يُدمي الطرف الآخر، تاركًا إيّاه بأوجاع وجروح لا يمكن دملها بسهولة، خاصة إن كان الطرف المتضرّر هي المرأة، فدرجة تأثّرها أعلى إن لم تكن مُمكّنة وواعية تمامًا لما يصدر عنه، أو لا تعرف سبب سلوكه المرضي معها، ويتسبّب لها في أزمة نفسية وأزمة ثقة في ذات الوقت، وتستنزف طاقتها في تحميل نفسها بالفشل، وبأنها سبب خراب العلاقة للأسف الشديد..

لذلك احذروا هذه النوعية، ولا تتورطوا معهم في علاقات عاطفية؛ لأنهم سارقون للطاقة، والإرهاق الناجم من التعامل معهم يفوق مشاعر السعادة بمسافات، واحذروا أيضًا أن تقعوا فرائس لألسنتهم المعسولة في البداية، فغالبًا هؤلاء يتمتعون بمواصفات شخصية سطحية جاذبة ومظهر خارجي ملفت للنظر، فمثل تلك النوعية مخادعة، وتدّعي الشخصية القوية، وهم في الحقيقة شخصياتهم هشّة جدًا من الداخل، وجوهرهم لن تعرفوه إلاّ بعد القرب منهم حدّ الاحتراق وما يسبّبه من ألم، فهؤلاء في البُعد أجمل، فاعتزلوهم ولا تتجنبوهم فقط. لهذه الأسباب هم فاشلون جدًا في العلاقات بشكل عام وفي العلاقات العاطفية بشكل خاص، فلا يتقنون فنّ الحفاظ على الآخرين، وينتهي بهم المطاف في عزلة نفسية واجتماعية، وتمضي حياتهم فارغة، وتذهب سنين عمرهم سدى دون أن يشعرون، وتبقى الوحدة رفيقهم إلى أن يذهبوا للرفيق الأعلى..

يقع الكثير من الناس في هذا المأزق السلوكي والعلائقي دون أن يدرون، وحتى تتمكّنوا من كشف هؤلاء قبل التورط معهم عاطفيًا، راقبوا وتأملوا الكمّ الهائل من (التناقض) في سلوكاتهم وأقوالهم، لدرجة قد تشعر أمامهم بالفصام، فمنهم من يحذّركم من مواقف وأشياء يفعلها هو، ثم يرميها على الآخرين، وهذا السلوك هو حيلة دفاعية لخداع الطرف الآخر وصرفه عن الاختلالات النفسية التي يعاني منها..

هذا الشخص المُصاب والمحترف لتلك الحيلة نجده كثير الحديث عن نفسه، وكثير الفخر والمباهاة في (أناه)، وفي كثير من الحالات تكون على فاشوش، وهذا يدلّ على عدم ثقته بنفسه التي يبالغ في تعويضها بكثرة الحديث عن إنجازاته وبطولاته، وبالذات غرامياته وعلاقاته وكثرة المعجبين/ات الذين يلاحقونه دون أن يبادلهم ذلك، فهكذا يعرّف أناه، حتى يحافظ على شعوره بأنه شخصية مرغوبة مهما تقدّم بالعمر، وإن دقّقتم النظر في مفرداته أثناء الحوار ستجدون ما بين كلمة أنا وأخرى هناك أنا تتموقع بينهما، فكلمة أنا وتكرار اسمه أكثر من كل كلماته في حديثه..

عندما لا يدرك الشخص أن “الإخفاق” هو جزء من مسيرة حياة الإنسان مثله مثل “النجاح” تمامًا، تزيد لديه عقدة الشعور بالنقص الحادّ، لذلك يلجأ إلى الإسقاطات النفسية على كل شيء باستثنائه هو، ويوجّه أصابع الاتهام على الجميع إلاّ ذاته، بعضهم مصابون بهذه الحالة لم تصل بعد إلى توصيفها بالمرض، ولكن استمرارها دون علاج ومواجهة ومتابعة حتمًا ستُدخل المُصاب في العديد من الاضطرابات، خاصة عندما يقوم بترجمة تلك الإسقاطات إلى اتهامات معلنة أو خفيّة، أو اعتداءات وإساءات، وربما محاولات انتقام؛ لأنه يقرأ أفكار الآخرين من منظوره هو، ويصدّقها ويقتنع بها على أنها الحقيقة، وبأن الآخر أو الآخرين دائمًا على خطأ وهو دائمًا على صواب، فيمارس لعبة قراءة أفكارهم وتبرير تصرفاتهم وفقًا لما يراه، الأمر الذي يقوده إلى ارتكاب أخطاء كبيرة جدًا في حقّ الآخرين، وحقّ نفسه أيضًا، لما يلحقه من خسائر جراء إسقاطات أخطائه على الآخرين، وأحد أشكال إسقاطاته تكون إمّا انتقادات حادّة وجارحة، أو بإطالة اللسان واستخدام ألفاظ نابية بحجّة أن سلوك الآخر خاطىء ويريد تقويمه..

الإصابة بالإسقاط النفسي إن كان في مراحله الأولى وتم تشخيصه، وكان المريض متعاونًا، ولديه من المرونة ما يكفي لمواجهة نفسه والاعتراف بوجود ذلك الخلل لديه، يكون سهل جدًا، أما عند تفاقم الحالة – وتُقاس بزيادة الأزمات النفسية والمشاكل الاجتماعية وخراب العلاقات المستمرّ والخسائر المتكرّرة – فيكون المُصاب هنا قد دخل في مرحلة متقدمة لا يمكن علاجها إلاّ أمام طبيب احترافي ومختصّ محترف، من خلال العلاج الدوائي مترافقًا مع العلاج السلوكي..

يبالغ المُصاب في تضخيم صورة العيوب التي يُسقطها على غيره؛ لأنه يسعى بذلك إلى تبرئة نفسه من العيب الذي يقلّل من شأنه وينقص من قدره، بينه وبين ذاته، وأمام الناس، وهو عندما يمارس الإسقاط يكون قد أوجد عذرًا له لكي يُفرغ غيظه وغضبه على غيره، ولا سيّما الأشخاص الذين يواجهونه بعيوبه، حيث يُبادر بالهجوم الشديد ليُعيد المواجهة إلى مصدره وكأنه بريء منه، وهنا لا يميّز المُصاب مدى قرب ومصداقية من أمامه، فيتعامل معه ويهاجمه وكأنه عدوّ، وينسى أنه حبيبًا أو صديقًا أو قريبًا يريد مساعدته للأسف الشديد، الأمر الذي يترتّب على ذلك مخاسر كبيرة بشرية ومالية على حدّ سواء..

وأخيرًا نقول هنا، ليس عيبًا على الإطلاق أن يخفق الإنسان في جانب من جوانب حياته، أو يكون ضعيفًا في سلوك من سلوكياته، ولا حتى إن ارتكب خطيئة، ومن منّا بلا خطيئة!! وإنما العيب والعار هو ظلم الآخرين ومعاداتهم، لا لسبب سوى إسقاط العيوب الشخصية عليهم، بدلًا من تحمل مسؤولية الخطأ ومعالجته وتعديل السلوك، فيفعل المُصاب كل ذلك وأكثر حتى يظهر بمظهر صاحب الأخلاق الحميدة، وأنه الصادق الوحيد ممن حوله، وصاحب الشخصية نادرة الوجود التي لا يستحقّ شرف معاشرتها أحد، ولا أحد يقدرها ولا يفهمها..

عيوبك الشخصية يا هذا تضرّك لوحدك، ولكن عندما تُسقط عيوبك على غيرك يتّسع مدى ضررها، توقّف عن فعل ذلك واطلب المساعدة فورًا إن لم تستطع علاج (أناك) المعلولة لوحدك، حتى لا تنقل أزماتك النفسية ومشاكلك الشخصية لغيرك وتزعج الآخرين بنكدك، ويجب عليك أن تصحى من سباتك العقيم وتخرج من عزلتك فورًا، فأنت من تخنق من حولك وليس محيطك من يخنقك كما تظنّ وتتوّهم..

وفي الختام نقول للنساء والرجال المصابين بهذا الداء القبيح بالأبيات الشعرية الجميلة التالية:

فقال أمير الشعراء أحمد شوقي؛ “خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرّهنّ الثناء”.
وقال أبو الطيب المتنبّي العظيم؛ “إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه، وصدّق ما كان يعتاده من توّهم، وعادى محبّيه بقول عُداته، وأصبح في ليلٍ من الشكّ مُظلمٍ”.. واللّبيب من الإشارة يفهمُ..

وهل من المعقول أو حتى من المقبول أن لا يكون لنا من هذا الحديث وما يشبهه من بقية بعد كل ما نرى ونسمع ونشهد يوميًا؟! الجواب حتمًا وطبعًا لا، وسيكون لنا بقايا وكمشات حكي كثيرة لمثل هذه الأمراض السلوكية… دمتم….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !