أزواج أصدقاء

أزواج أصدقاء
3٬340 مشاهدة

ليست الصداقة مقدار ما ترى الصديق أو كم ما تتحدث إليه، بل هي تلك الرابطة التي تحمل ذات الروح وذات العطاء وذات الإخلاص مهما تباعدت المسافات وتناثرت الأوقات، هي العلاقة المضمونة في الظروف غير المضمونة، هي الرصيد المعنوي الاستراتيجي وقت كساد العلاقات الباهتة….

لا تعتبر قلة المشاحنات أو كثرتها المؤشر الأهم للحكم على نجاح الزواج بقدر أهمية قوة الصداقة بين الزوجين والقدرة على المحافظة عليها واستمرارها كمؤشر للزواج الناجح المتماسك. فالصداقة في العلاقة الزوجية يمكن تشبيهها بالكائن الحي بحاجة لكي ينمو متطلب (الرعاية الكاملة) والاستثمار المتواصل من الطرفين في جميع الظروف حتى العصيبة منها.

إذا كان الحب غير المشروط هو أساس الزواج الناجح، فيكون العطاء غير المشروط هو أساس الصداقة الأصيلة بين الأزواج، فالتعامل الراقي المهذب لا يقتصر على من هم خارج أسوار المنزل لضمان عدم خسارتهم وإنما الرقيّ والتهذيب صفة إنسانية للتعامل مع الآخرين المهمين خارج المنزل أو داخله على حد سواء لا بل بالضرورة القصوى على الداخل. أما لبس أقنعة التهذيب والرقيّ في التعامل خارج المنزل فقط وخلع القناع حال الوصول للبيت، ففي حكم المؤكد أن تلك الأقنعة مصيرها السقوط أمام المجتمع مهما طال زمنها بداعي تكرار الفشل في التواصل مع الآخرين المضمونين في الحياة.

مبدأ ‘الإيثار’ والعطاء دون انتظار المقابل (الفوري) هو أول أسس الصداقة بين الزوجين؛ فتقديم رغبات واحتياجات الشريك على الرغبات الشخصية والعطاء دون أنانية يُنمّي أواصر الصداقة ويُقوّي جسر الثقة بينهما.

من المضحك المبكي أن أغلب الأزواج يعرفون معلومات دقيقة عن الأصدقاء كاللون المفضل، الطعام المفضل، الخطط المستقبلية، الأحلام والطموحات، المستفزات، أكثر مما يعرفون تفاصيل دقيقة عن شركاء حياتهم. وقد يعود ذلك إلى انعدام الحوار النوعي بين الزوجين ونقص التواصل الناجح بينهما الذي إن وُجد سيقود مع العشرة إلى معرفة التفاصيل الدقيقة عن الشريك ومعرفة ما يحب وما لا يحب، والأهم معرفة مدى نضج الشريك وتغير ذوقه على مدار الزمن.

ما يُعين الزوجين على تحمل البرد القارس وبرودة الحياة وأزماتها وعثراتها هو الدفء الداخلي بينهما، فقد تضرب الزواج أحيانًا عواصف باردة تُطفىء نار الشغف بالحياة، وبالمقابل سوف تسطع شمس دافئة تُعيد للحياة إشراقتها، وفي كلتا الحالتين يجب أن يتمسك كل منهما بالآخر لمواجهة الصعاب وضغوط الحياة العصيبة. وهنا تظهر الصداقة الحقيقية بين الأزواج عندما يكون كل منهما ملاذًا للآخر بقدر الدعم الذي يقدمه كل منهما للآخر في مواقف: نزول المزاج أو الاكتئاب، المرض، ضغط العمل، البطالة، الضغوط المالية وكثرة الالتزامات، الضغوط النفسية، الضغوط العائلية، ضغوط الأسرة ومتطلباتها، النزوات العابرة أو حتى في حالة الأخطاء القاتلة.

فالتماسك والاتحاد بين الزوجين الصديقين هو طوق النجاة الأوحد والوحيد للخروج من تلك الأوقات العصيبة والأزمات بشكل أقوى من السابق وبأقل خسائر ممكنة. ففي تلك الأزمات يحتاج الشريك (هو أو هي) إلى الإنصات والدعم العاطفي أكثر بكثير من حاجته إلى إسداء النصيحة أو التأنيب أو “المعايرة” أو إصدار الأحكام المسبقة، فالشريك الصديق الصدوق الحقيقي هو الملاذ الآمن عند التعثر في دوامة الحياة.

الاحتفال بانتصارات شريك الحياة ونجاحاته كأنها نجاحات شخصية يقوي أواصر الصداقة بينهما، فكما يحزن لحزنه يفرح بفرحه ونجاحاته ويشجعه على التقدم والتطور في العمل أو في المجتمع أو مع العائلة والأصدقاء، ودعمه لدرجة يشعر بها أنه ليس ببعيد عن الوصول إلى تحقيق أحلامه وطموحاته لأن نجاح أحدهما هو نجاح لكليهما ليتمكن الزوجان من خوض دروب الحياة معًا.

قوة الصداقة بين الزوجين على مدى طولي ينتهي بهما الحال إلى أن يعرف كل منهما معلومات خاصة جدًا وحساسة عن بعضهما تتضمن الأسرار والمخاوف وأخطاء الماضي والأمور الشخصية جدًا، وللحفاظ على قوة العلاقة أبديًا يجب حفظ تلك الأسرار حتى في مواطن الاختلاف والمشاحنات فكل منهما “ستر وغطى للآخر” والذي لا يجوز كشف ظهر الآخر أو تعريته تحت أي ظرف ولأي شخص مهما كان قربه. تلك هي الصداقة الزوجية الحقيقية النزيهة التي تصمد أمام زلازل الدهر وينطبق عليها تلك المقولة العميقة: “نثرت أحلامي تحت قدميك، فامشِ الهوينى لأنك تخطو فوق أحلامي”..

وأخيرًا وليس آخرًا، يعتبر تخصيص وقت كافٍ للشريك وتقضية وقت نوعي معًا، والمشاركة بنشاطات ترفيهية معًا، والتفرغ التام من مشتتات الانتباه كالخلوي والتلفزيون وأوراق العمل وغيرها أثناء وجودهما معًا من أهم المدعمات للصداقة بين الزوجين. والأهم لاستدامة تلك الصداقة هو عدم الانسحاب أو الهروب أو المقاطعة بعد الشجار، فالنأي جانبًا أو اللجوء إلى الصمت للعقاب يقتل معاني الصداقة الجميلة بين الزوجين بل يجب الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة دائمًا مهما كان سبب الخلاف أو حجمه، وإلتماس الأعذار دائمًا لبعضهما والإبقاء على حسن الظن والتوقعات. فالصداقة الزوجية الحقيقية هي نوع لا بوع……

وكما قال الفيلسوف فريدريك نيتشه: “إن الزواج الجيد يقوم على إتقان موهبة الصداقة”…..

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

One thought on “أزواج أصدقاء

  1. عائدة التومي says:

    كلما قرات مقالا من مقالات الدكتورة عصمت اشعر انه يمكن ان يكون في مكان ما…في وقت ما …لسبب ما من يمكنه ان يترجم افكارك الصامتة لكتابات جميلة بأحرف بسيطة لكن عميقة في محتوالها.
    شكرا مركز الجندر العربي عل الإهتمام بالأسرة العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !