يا عزيزي كلّنا متطرفون !

يا عزيزي كلّنا متطرفون
2٬192 مشاهدة

في إطار تصاعد ظاهرة العنف حتى في الأماكن ذات الحرمة كالجامعة مثلًا، وفي إطار تزايد الحوار واللقاءات حول الحدّ من ظاهرة التطرف (المعدية جدًا)، شدّني تحليل تلك الظاهرة من زاوية نفسية اجتماعية، فوصلت لنتيجة مُرعبة وخطيرة مفادها؛ أن في داخل كل فرد منّا أفكار متطرفة تقود إلى سلوكات عنيفة عند أول محك وعندما تُتاح لها الفرصة، ولكنها تتجسد وتتموضع وتظهر بطرق مختلفة وفي مواقف مغايرة..

مَن منّا لم يشعر بالإحباط والقهر ؟؟ مَن منّا لم يشعر بالظلم ؟؟ مَن منّا لم يمارسه كذلك؟؟ فالجميع يشكو القهر والإحباط ونحن جميعًا نمارسه بأشكال مختلفة كل في دائرته الضيقة أو الواسعة على حد سواء.. الشعور بالإحباط يولد حالة من الخذلان والإذعان في ذات الوقت، تلك المشاعر السلبية إما أن تتمترس في الداخل فتصيب الإنسان بأمراض نفسية كالقلق والاكتئاب، وإما أن تتوجه نحو الخارج على شكل سلوك عدواني سلبي كالإهمال أو المجاكرة بطرق غير مباشرة اتجاه القاهر والمُحبِط أو التخريب لممتلكاته أو إنجازاته، وقد تظهر على شكل سلوك عنيف مباشر يُمارَس غالبًا على الشخص الأضعف لتفريغ شحنات الغضب وقلة الحيلة..

ألا يشعر الإنسان بنزوة السلطة أحيانًا ويمارس السيطرة على الآخرين (أقرباء أم غرباء) ويحط من شأنهم؟؟ ألا يشعر أيضًا بنشوة القوة والجبروت ويحاول مسح وجود الآخر ليطمئن إلى قوته غير الواثق منها ويخفف من حدة قلق وجوده واستمراره في السلطة؟؟ الإنسان كائن متعدد الأبعاد، متداخل الأضداد، ما تراه بارزًا فيه فهو أعمق، ومن يسرف في تفصيله دون عِلم وخبرة ومهارة دائمًا يغرق…

السلوك الإنساني أُحجية الأُحجيات، وموطن الشُبهات والتعقيدات، ومَن اعتقد فهمه كليةً فهو واهم ومليء الضلالات.. مَن شاء بعضًا من عِلمٍ عن الإنسان: فلينظر فعله وما تقترفه يداه بعد (سلطة كبيرة) أو (حرية كثيرة) أو (مالٍ طارىء) أو (محكّ يفضح)..

التساؤلات أدناه حول الفِكر والسلوك الإنساني المتطرف مشروعة جدًا حاليًا، بالتأكيد كل منّا سيجد ما ينطبق عليه بينها أو قياسًا عليها على الأقل، وتحديد المشكلة هو بداية الحل..
هل انتقاد الحكومة والتحريض ضدها عند تضارب المصالح الشخصية ثم منحها الثقة لا يعتبر تطرف؟؟
هل تحوّل السياسي المعارض إلى شخص موالٍ وقمعي للمعارضة لا يعتبر تطرف ؟؟
هل تعنيف الرجل لزوجته وتنظيره في ذات الوقت حول حقوق المرأة لا يعتبر تطرف؟؟
هل التنظير عن الوطن وحمايته وخيانة الوطن الخاص لا يعتبر تطرف؟؟
هل قال الله وقال الرسول التي لا تمنع الرجل أو المرأة من الخيانة لا يعتبر تطرف؟؟
هل الفتاوى الدينية ضد الفقراء وقليلي الحيلة وهي نفسها مُباحة للأغنياء ذوي السلطة والنفوذ لا يعتبر تطرف؟؟
هل ممارسة ثقافة العيب على الإناث دون الذكور لا يعتبر تطرف؟؟
هل ظلم المرأة التي تعمل في مؤسسة نسوية للعاملات لديها أو عدائها لمنافساتها لا يعتبر تطرف؟؟
هل حرمان المرأة ذات الكفاءة من المشاركة السياسية لصالح امرأة قليلة الخبرة دعمتها العشيرة لا يعتبر تطرف؟؟
هل التركيز على أخطاء المرأة في مواقع صنع القرار وتضخيمها والتغاضي عن أخطاء الرجل في الموقع نفسه لا يعتبر تطرف؟؟
هل الطبيب الذي يستغل مهنته ويستغل ضعف مريضاته ويتحرش بهن لا يعتبر تطرف؟؟
هل ممارسة الكذب أمام الأبناء ومعاقبتهم عليه لا يعتبر تطرف؟؟
هل نجاح المرأة في عملها وخارج بيتها وفشلها داخله لا يعتبر تطرف؟؟
هل قبول المعلم للرشوة وتعليم الطلبة الأخلاق لا يعتبر تطرف؟؟
هل التحامي بالعشيرة لا القانون في بلد ديمقراطي لا يعتبر تطرف؟؟
هل حرمان الشاب ذي الشهادة والكفاءة من وظيفة لصالح صاحب الواسطة والمدعوم لا يعتبر تطرف؟؟
هل غياب نماذج الأبطال وطغيان نماذج الفاسدين لا يعتبر تطرف؟؟
هل الكلاشيهات المعلوكة المصدرة للإعلام حول الوحدة الوطنية وممارسة العنصرية ضد أصول أُخرى أو مناطق أُخرى لا يعتبر تطرف؟؟
هل إخفاء سوء الباطن وقبحه وتجميل الظاهر باللسان المسرّ ولكن القلب مضرّ لا يعتبر تطرف؟؟
هل العودة إلى السحر والشعوذة لحل المشاكل الطبية والنفسية والمجتمعية في عصر التطور المعرفي والتكنولوجي لا يعتبر تطرف؟؟
هل البرامج والمشاريع الأمريكية حول حقوق المرأة في بلداننا العربية واتهامنا بالتخلف ثم فوز ترامب على هيلاري والفرحة بالنتيجة والإثناء عليها من قِبل العاملين في تلك البرامج لا يعتبر تطرف؟؟
هل غياب التصاق الأخلاق بالإنسان كإنسان وحصر امتلاكها لفرد دون آخر أو لدين دون آخر أو لجنس دون الآخر لا يعتبر تطرف؟؟
هل تقسيم الناس إلى مؤمنين وكفرة على أمزجتنا وتوزيعهم ما بين الجنة والنار بمفاهيمنا ورفض الترحم على الأموات الذين منحهم الله حق الرحمة لا يعتبر تطرف؟؟

كثيرة هي وكثيرة جدًا جدًا تلك الأمثلة التي تشي بفِكر متطرف في دواخلنا وتنجلي في المواقف فِكرًا وممارسة، فجميعنا يحمل في داخله ميول داعشية إن جاز تسميتها بذلك، وندلف نحوها، ولكنها تنتظر البيئة المناسبة لاحتضانها وإخراجها. فماذا نتوقع من حالة السقوط الأخلاقي والاعتلال الفكري الذي نشهده حاليًا؟؟ لست اعتقد بل أجزم هنا أن الانحطاط الفكري في المواقف الوطنية أو الشخصية صنوان لا يفترقان، هذا هو الزيف النفسي والنفاق والتلوّن وتغيير الأقنعة بعينه وهذا هو التطرف الفكري السلوكي بحد ذاته..

أكتفي في هذا المقال بوصف واقع أفكارنا وسلوكاتنا فقط، وأترك للقارىء/ة استقراء حقائق الطبيعة البشرية ورواسب الإرث الفِكري والواقع الفعلي الذي نعيشه ضمن ثنائية (السلطة والإذعان: السادية والماسوشية) ثم استنباط الحلول الذاتية والموضوعية، وكل على ليلاه يغني..

ولكن؛؛ الحذر الحذر من الصمت لأن الصمت بحد ذاته على تلك الثنائية (جريمة) كاملة الجوانب نحو المجتمع والوطن، وهي تطرف متأصل ومُمأسس. شدة العنف والتطرف تتناسب طرديًا مع شدة الشعور بالإحباط والقهر والاضطهاد والظلم والاغتراب والغربة وعدم العدالة والفقر وانتقائية تطبيق القانون وغيرها وأكثر…
وللحديث بقية… فيا عزيزي كلنا متطرفون….

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !