العيدية: رومانسية زوجية

العيدية: رومانسية زوجية
924 مشاهدة

الرومانسية في العلاقة الزوجية ضرورية في كل الأوقات؛ فهي مطلب شرعي ومشروع في الوقت نفسه، ومن أهم متطلبات الزواج الناجح هو الوقوع في الحُبّ مرات عدة ولكن مع الشخص (نفسه)، هنا على وجه الخصوص تبرز أهمية الرومانسية بين الزوجين. لا ضير بقليل منها في العيد في الحدّ الأدنى، اعتقد أنها (العيدية المفضّلة) للنساء أو جزء من العيدية بأقل تقدير.. عيد فطر سعيد…

حاجة الإنسان للعواطف كحاجته للغذاء من أجل البقاء على قيد الحياة، فهي إذن غذاء الروح تمامًا كما الطعام غذاء للجسد. ونلحظ أن الذين لم يتلقوا القدر الكافي من العاطفة والحنان أثناء (الطفولة) يشعرون في مرحلة الرشد بأن التصرف بشكل عاطفي يُعتبر سلوكًا أخرق وأن العواطف هدر غير ضروري. وهذا لا يعني أنهم ليس باستطاعتهم تعلّم لغة العواطف مع أحبائهم، بالعكس فهي مهارة (مُكتسبة) ولا يقف تعلّمها عند عمر محدّد؛ فعملية التعلّم عملية ديناميكية مُستمرة من المهد إلى اللحد..

هناك طرق كثيرة للتعبير عن العواطف (أخذًا وعطاءً) لا أخذًا فقط ولا عطاءً فقط من طرف على حساب الآخر، والزواج الناجح يجب أن لا يخلو منها.

التعبير عن العواطف بين الشريكين يأخذ أشكالًا عدة فعلى سبيل المثال لا الحصر نبدأ (بالغزل والمجاملة)؛ فغزل الرجل بجمال زوجته أو بهندامها أو حتى بطهيها هام جدًا لها حتى لو كانت تعرف ذلك ضمنيًا، فهي تُحبّ أن تسمع الغزل بين الحين والآخر بناءً على طبيعتها البيولوجية كونها (سمعية)، تمامًا كغزل المرأة بالرجل ومجاملتها الصادقة له بشكله ومظهره مثلًا أو مساعدتها له بأموره الشخصية والأهم فخرها الدائم بإنجازاته. الغزل حاجة ضرورية للتعبير عن العواطف بين الجنسين، وإن كانت حاجة المرأة لها أكثر بحكم اختلاف طبيعتهما الفسيولوجية.

أما (العاطفة الجسدية)؛ من الضروري جدًا أن لا تقتصر العواطف الجسدية أثناء العلاقة الحميمية فقط، فالتعبير عن العواطف جسديًا يُشعِر الشريك بمزيد من القُرب ويجعل العلاقة الزوجية أكثر صحة وقوة، أثبتت الدراسات الحديثة أن التعبير عن العواطف جسديًا تُقوّي الجهاز المناعي لدى الزوجين وتُزيد من نسبة الجلوبولين المناعي لديهم بنسبة أعلى ٣٠٪ ممن لا توجد بينهم العواطف الجسدية خارج إطار العلاقة الحميمية.

ومن الضروري أيضًا (تجنّب البخل العاطفي أثناء الخلاف)؛ ويندرج البخل العاطفي عند الغضب والخلافات تحت نمط “السلوك العقابي” الذي يُدمّر العلاقة بشكل كبير. لذلك يجب الحفاظ على التواصل المُحبّ لفظيًا وجسديًا كالمعتاد حتى لو بدى ذلك أمرًا شاقًا، لأن هذه الطريقة ستخفف من حدة الخلافات بينهما وتُنهيها بشكل أسرع، وتحافظ على التواصل المبني على الودّ والرحمة بين الزوجين وتُجنّبهما تطور مشاعر الحقد والكره بينهما.

وتأتي هنا أهمية (المخاطبة بأسماء الدلال) أو بألقاب خاصة يحبها الشريك، فذلك يُظهر الحُبّ ويزيد القرب بين الطرفين، ولكن دون المبالغة خصوصًا أمام الناس إذا كان الطرف الآخر لا يُحبذ ذلك، يجب احترام رغبة الشريك بطرق التدليل حتى يصل الدلال ويتقبله بأريحية لا مجاملة.

ويا عيني على الرفقة الحلوة عندما تتواجد بين الأزواج ويكثر فيها (الضحك والمزاح) ومشاركة النكات معًا للابتعاد عن الجدية الزائدة والرتابة في الحياة الزوجية، بالإضافة إلى أن ذلك يساعد على تخفيف التوتر ويزيد من القدرة على تحمل ضغوط الحياة لكليهما وتخفيف الخلافات بينهما كذلك، وهذا السلوك بالطبع يُحسّن القدرة على الشعور بالمتعة والتعلّق العاطفي اتجاه بعضهما البعض.

والأجمل هنا (فعل شيء ما يُحبه الشريك) أو إحضار أي شيء يرغب به دون سبب ودون طلب وحتى دون مناسبة أيضًا، فذلك يُقرّب بين الزوجين ويُشعر الطرف الآخر بأنه دائمًا في البال وأن الآخر يبذل مجهودًا لإسعاده وتحقيق جميع رغباته حتى وإن كانت غير معلن عنها.

ويأتي الآن (التعبير عن الحُبّ الحقيقي في الزواج) الذي يكون من خلال العطاء دون حساب ودون مقابل ودون شروط، من الجميل جدًا أن تتحول المنافسة بين الأزواج: من يُقدّم للآخر أكثر مما يأخذ، ولا يكون العطاء محسوبًا بمقدار مساوٍ تمامًا لِما يُقدمه الطرف الآخر أو حتى المقارنة بجهوده باستمرار، فذلك أمر بشع يقتل المشاعر الجميلة بينهما. بدلًا أن يكون هناك كشف حساب بين الأزواج من المفروض أن يكون لهما وديعة مُشتركة في (البنك العاطفي) الخاص بهما ليصبح الزواج أكثر غنىً وسعادة.

من المفروض (الإصرار على القيام بنشاط واحد معًا على الأقل اسبوعيًا)، وأن يكون قضاء هذا الوقت المشترك – وإن كان محدودًا – بشكل منتظم على قائمة أولويات الزواج، مهما كانت ضغوط العمل وضغوط الحياة اليومية ومتطلبات الزواج والأطفال كثيرة ومرهقة.

من الأمور الهامة التي يجب الانتباه لها بشدّة وأخذها بعين الاعتبار لضرورتها هي (الحفاظ على المظهر الأنيق أمام الشريك دائمًا)، تمامًا مثل الحفاظ عليه أمام الناس، لا بل يجب المبالغة بالاهتمام بالمظهر أمام الشريك أكثر فذلك يُشعره بالحُبّ ويُعبّر عن العاطفة بشكل أكبر. وهذا الأمر يجب على الرجل الالتزام به أيضًا والحرص الدائم على الاهتمام بمظهره وأناقته أمامها، فذلك أمر ليس حكرًا على المرأة فقط.

وتأتي معضلة العصر ومشكلة الأزواج الأزلية في الوقت الحاضر وضرورة التخلص منها نهائيًا من خلال (الحرص أثناء التواجد معًا الابتعاد عن الهاتف وجميع وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة)، وذلك لمنع التشتّت عن الاهتمام بالآخر، فهذا السلوك يُشعِر الشريك بالحُبّ وبالأولوية ويمكّن من التعبير عن الرومانسية براحة بين الطرفين.

الرومانسية مسألة (حسّية) لذلك يجب إشراك جميع الحواس في المواقف الرومانسية لتكون ممتعة ومؤثرة لدى الطرف الآخر، ولكي تبقى طويلًا في الذاكرة. الرومانسية هي بمثابة البنزين للسيارة، فالمتزوجون الذين يهملون وضع البنزين في مركبة علاقتهم يُصابون بالصدمة عندما يتوقف زواجهم عن الحركة للأمام. وبدلًا من البحث عن ((بديل)) يجب تعلّم كيفية الحفاظ على العلاقة من الرتابة والروتنة وتجديد العواطف باستمرار من خلال تزويدها بوقود الرومانسية.

الشغف والرومانسية في الزواج من أكثر المهارات التي تساعد على تجاوز الأوقات الصعبة، ولكي تطفو الرومانسية على سطح العلاقة دائمًا من الأجدى التخلي عن كل توقعات وتصورات الرومانسية الموجودة في خيال كُلّ من الشريكين والتعامل مع ما هو متوفر لديهما على (أرض الواقع). فليست دائمًا الرومانسية في المطاعم الفخمة أو على شواطئ البحر الكاريبي مثلًا، وليست بالضرورة أن تُكلف أموالًا طائلة أو تخطيطًا دقيقًا أو تعبيرات كبيرة، مجرد لحظات ودّية تلقائية أو أشياء صغيرة ودودة قد تُظهر الشغف والرومانسية بشكل أكبر لشريك الحياة.

فالرومانسية ليست شعارًا نتغنى به وليست كلاشيه روايات وأشعار عاطفية وهي لا تأتي من تلقاء نفسها خصوصًا بعد سنوات طويلة من العِشرة، وإنما يجب العمل على اكتسابها والمحافظة على وجودها باستمرار من خلال الالتزام بما ورد أعلاه. قد تبدو ما “ورد أعلاه ” كعبارة جامدة ورسمية، ولكن رومانسية واقعية مستمرة أفضل ألف مرة من رومانسية الطوفانات المؤقته.

أختي الرومانسية، أخي الرومانسي: قليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع…

عيد فطر سعيد، أعاده الله على الجميع بالراحة والأمان وبالرومانسية الوطنية ليس فقط رومانسية الأزواج.. أعانكم الله جميعًا على (العيدية) في ظل هذه الظروف القاهرة والمحبطة وضيق الحال في آن، ولكن لا ضير بقليلٍ من الرومانسية لتعديل المزاج ولشحن الهمّة للعيش في دنيا القهر والوجع…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !