مجتمع نرجسي !

مجتمع نرجسي !
1٬297 مشاهدة

أكثر ما يُميّز الشخص النرجسي أنه لا يعترف أصلًا بأن لديه مشكلة، فيكون بارعًا جدًا في التنصّل من مسؤولية أخطائه بإلقاء اللوم على الآخرين، فالعيب دومًا يكون بالآخر ليس به أبدًا، لعلّ مواجهته بحقيقة مرضه تُقابل بالإنكار الشديد يصاحبه ردّ فعل عنيف.

لا غرابة من قسوة ردة الفعل للنرجسي، فهي نتيجة حتمية (للأنا) الهشّة المنفوخة على فاشوش؛ فثمة فرق شاسع بين الحقيقة التي نعرفها عنه والخديعة التي يرى بها نفسه.

السمات الموصومة للنرجسي هي صفات موجودة فينا جميعًا وإن كانت بدرجات متفاوتة؛ فمن هو المجتمع؟؟ هو نحن جميعًا رجالًا ونساءً.

مجتمعنا الحالي هو نرجسي بامتياز وأشخاصه الذي ينتجهم هم نرجسيون أيضًا، هذا المجتمع النرجسي غمرنا بثقافة هجينة أتتنا جاهزة من هناك من (المركز) ونحن ما زلنا هنا على (الأطراف).

شكرًا جزيلًا للفيس بوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي التي نقلت لنا تلك الثقافة بحسنها وقبحها، ثم استفزت نرجسيتنا حدّ (العدوى الهستيرية) وكشفتها، فتفشّت فينا كتفشّي النار بالهشيم وأحاطتنا من كل حدب وصوب. كيف لا وأهم ما يُميز تلك (الثقافة النرجسية) وما ينبثق عنها أنها تَعِدْ أفرادها بالسعادة الدائمة وتجعل حقهم في استيفاء حاجاتهم بالكامل من المسلّمات.

فلا تنتج الثقافة النرجسية سوى (ايديولوجية الوهم) للرجال والنساء على حد سواء، ولكن للنساء بدرجة أكبر للأسف الشديد، فوعدتهم بالرفاهية والملذات، ورفعت مستوى التوقعات والآمال بالسعادة، وترافقت تلك الوعود مع الاعتقاد أن بالإمكان تحقيقها بسرعة، أو أنها سهلة المنال، وتتحصّل بالجهد القليل.

ولكن الواقع الفعلي والتجربة الحقيقية لا (الافتراضية) أثبتوا بما لا يدعُ مجالًا للشك أو التوهم مرة أُخرى أن هذه الآمال وتلك الوعود بالنجاح والإنجاز – أي بالسعادة السريعة – تتطلب مهام جسيمة وجهود كبيرة، والوقوع في الإحباط كان بحجم الوعود بالسعادة المزعومة.

ولأن الشخصية النرجسية نتاج تلك الثقافة النرجسية والمجتمع النرجسي لا تتحمل الإحباط فهي تسقط حكمًا في (اللاحيلة)، والخروج من اللاحيلة هذه يستوجب قدرات توازنها قوة في الاتجاه المعاكس، ولعلّ هذا هو ما أنتج صورة (المرأة الجبارة) و(الرجل الجبار) في العصر الحديث.

المجتمع النرجسي يُعاني بمرارة في اللاوعي المكبوت، فهو مليء بذوات محطمة مكلومة، يختزن بداخله شعورًا بالخزي والعار، وينجح في (كبت) كل ما يتصل بهذا الشعور من ذكريات مؤلمة، فيختزنه بداخله حدّ نسيانه كليًا ثم يحوله بعد ذلك إلى حالة من نشوة الشعور بالفوقية والتعاظم على الآخرين. على الرغم أن داخله غزير بكمٍ هائل من مشاعر الخزي المكبوتة، ويرفض بشكل قاطع تعريتها أمام الآخر، ولا يسمح بنقدها أبدًا؛ فالنقد عدوّه اللدود.

المجتمع يُعاني الآن من (الجرح النرجسي)، وهو لا يحتاج طبيب لتشخيصه فأعراضه مفضوحة وظاهرة بشكل بارز؛ فغنيّ عن الذكر أن العرب كانوا أسيادًا لقرون عدة، نعم صحيح، ولكنها مضت وولّت، وعلى الرغم من ذلك، فهم إلى الآن لم يخرجوا من (عُقدة السيادة) والأفضلية على الآخرين، فبقي جرحهم النرجسي مُرافقًا لهم حتى اللحظة الراهنة ولكنه مكبوت جدًا.

تلك السيادة – رحمها الله – خلقت لدى العرب عُقدة نفسية مريرة مع (الهوان) الذي وصلوا إليه حاليًا مقابل صعود الغرب وتطورهم واستعمارهم لهم ونهب أوطانهم وخيراتهم واقصائهم لا بل اخصائهم أيضًا وربما أكثر.

مرحلة (الهوان العربي) هذه تحولت إلى شعور مختزن ومكبوت ينضح بالعار والذل والإذعان، فالفشل في الحفاظ على الأرواح والأعراض والأوطان، والفشل في اللحاق بركب الحضارة الحديثة بشكل منتج لا استهلاكي فقط عزّز هذا الشعور، ومن هنا أُصيب المجتمع بالنرجسية بعدوى ملفتة للنظر، هذه الحالة المَرَضيّة تمنع تطور سمات هامة كالحِكمة والعقلانية في (الأنا الأعلى) للفرد وفي (الضمير الجمعي) للمجتمع.

المصيبة الكبرى أن المجتمع النرجسي لا يعترف بأخطائه أبدًا، ولا يواجه ذاته بعيوبه البتّة، بل يتبجّح بها ويكررها للأسف الشديد. العيب دائمًا من وجهة نظر المجتمع النرجسي هو مُصدّر من الآخر حتى لو كان الآخر أكثر نضجًا وتطورًا، متغافلًا بتذاكي أناني مقيت أن الدود يأتي من العود نفسه لا من الخارج.

غالبًا ما يُصاب المجتمع النرجسي أيضًا ب(العمى الفِكري)، فهو لا يعترف بأي أفكار تقع خارج مداراته، فلا يقبل بما يُطرح أو يُنتج من أي حاضنة فِكرية أُخرى أو أي مدار آخر، فلا يرى سوى أفكاره حتى لو كانت بالية بائسة مرفوضة ركيكة وقد عفى عليها الزمن مقارنة بالأفكار الأُخرى المتجددة الخلاّقة.

هذا المجتمع النرجسي أفرز الآلاف من المرضى النفسيين المصابين باضطراب الشخصية النرجسية للأسف الشديد، أقولها بألم وحسرة، بات مجتمعنا مليء بالظواهر المرعبة التي تُمثل مرحلة متقدمة وخطيرة في ذات الوقت من المرض النرجسي. فلا يُليق بنا إذن العجب أو ربما الاستغراب ونحن في حالة الذهول والخَرَس التي نحياها حاليًا، ولا يحقّ لنا كذلك استهجان بروز حواضن العنف وجيوب التطرف والإرهاب، أو حتى الخوف من تنامي الجماعات التي تشعر بأفضليتها على الآخرين وتريد انتزاع اعتراف الجميع بقوتها عنوة، وفرض استحقاقها لخضوع الآخرين لها لأنها الأقوى، فهي ببساطة قادرة على إشاعة الفوضى والقتل بدم بارد وإلقاء الرعب في المجتمع بأكمله، كجماعة (داعش) على سبيل المثال وأخواتها (وإخوانها)، أو جماعة (الزعران) والفتوات وغيرها.

ضعف (الأغلبية) ورضاهم بالهوان، وقلة حيلتهم أمام هذا التجبّر والطغيان من (القلّة)، هو ما يُثري نرجسية هؤلاء ويغذّي شعورهم بالرضا والقوة، ويزيد سعادتهم وإن كانت على حساب الجميع (الأكثرية). المجتمع النرجسي خالٍ من التعاطف الإنساني ولا يكترث بآلام مواطنيه وهمومهم وحاجاتهم، والمشهد العربي الحالي والمحلّي (الخالي) يُرينا ذلك بجلاء ووقاحة.

ينتج المجتمع النرجسي أفرادًا لا يحتملون الألم أو الخسارة؛ فهم لا يستطيعون (الحداد) الذي لا يمكن بدونه تطوير عالم داخلي غنيّ بالمواضيع العاطفية، أو إنشاء مستودع داخلي من الخبرات الطيبة التي يمكن الركون إليها في الأوقات العصيبة. المجتمع النرجسي شأنه شأن المريض النفسي المصاب باضطراب النرجسية؛ فالشخصية النرجسية المضطربة هي بدون ماضٍ طيب يخفف عنها مساوىء (الكِبَر واقتراب الموت)، فالاثنان – الكبر والموت – مُخيفان للنرجسي الذي يحاول استبقاء (وهم الأبدية)، فلا يعترف بمرضه وعلاجه شبه مستحيل دون تدخل قسري، فرصته الوحيدة للشفاء هو معجزة (قانونية) أو ربما إلهية فقط.. الله يشفيهم/هنّ ويعافينا جميعًا.

المجتمع النرجسي يُحيط بنا من كل جانب ونراه في كل مكان: في الحكومة، في السوق، في البيت، خلف الشاشات، على الفيسبوك وتويتر وكافة وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى صفحات الجرائد، وفي السياسة: الحكم والمعارضة على حدّ سواء. أولئك على صواب دائمًا لأنهم يعتقدون أنهم يعلمون كل شيء رُغمَ أنهم (يعلمون) جيدًا أنهم (لا يعلمون) شيئًا أبعد من مصالحهم الذاتية على حساب المصالح العامة.

وأختم بالمتنبي وأشعاره فقد قيل فيه أنه أكثر شخصية نرجسية في الأدب العربي لعل بيته الآتي خير دليل:
“أَمِطْ عنك تشبيهي بما وكأنما، فما أحد فوقي ولا أحد مثلي”.

ولعل بيت شِعر أبو العلاء المعرّي هذا أيضًا يشي بالنرجسية عندما قال: “وإني وإن كنتُ الأخير زمانُه، لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل”.

أخاف علينا أن يثبت العلم لاحقًا أن داء (النرجسية) هو (جين) أصيل ورثناه أبًا عن جدّ وصمد فينا إلى الآن.
دومًا يبقى للحديث من بقية.. دمتم…

دة. عصمت حوسو

رئيسة مركز الجندر للاستشارات النسوية والاجتماعية والتدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا يسمح بالنسخ !